قصر عائشة فهمي.. قصة البناء الوردي الضخم الذي ظل مغمورا لسنوات طويلة - بوابة الشروق
الجمعة 3 فبراير 2023 6:59 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل ستزور معرض الكتاب هذا العام؟

قصر عائشة فهمي.. قصة البناء الوردي الضخم الذي ظل مغمورا لسنوات طويلة

منال الوراقي:
نشر في: الثلاثاء 24 يناير 2023 - 11:32 ص | آخر تحديث: الثلاثاء 24 يناير 2023 - 11:32 ص

القصور التاريخية في مصر ليست مجرد أمكنة وجدران وشوارع، إنما هي تاريخ لا يزال حيا، سجل يخلد أسماء وشخوصا وأحداثا، رمز لنمط عمارة ساد، وظروف عصر خال، وثقافة مجتمع تقلبت عليها السنوات، لكنها ظلت تحمل شيئا من توقيعه، لا يزال محفورا في ومضة هنا أو أخرى هناك.

تلك القصور ما هي إلا تاريخ لم تطوه كتب أو مجلدات، فلا يزال حيا نابضا يثبت أنه أقوى من كل محاولات العبث التي بدأت بعشوائية المصادرات ومحو أسماء أصحاب القصور من فوق قصورهم، ولافتات الشوارع التى حملت يوما أسماءهم تخليدا لدور قدموه للوطن أو خدمة جليلة قاموا بها لنهضة مجتمعهم.

في كتابها «قصور مصر»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والذي اطلعنا على نسخة منه، أرسلتها لنا مؤلفته سهير عبدالحميد، تحدثت الباحثة عن قصر عائشة فهمي وقصته، فقالت إنه على شاطئ النيل في حي الزمالك، يقع واحد من أجمل قصور القاهرة وهو قصر "عائشة فهمي"، ذلك البناء الوردي الضخم الذي كان لسنوات طويلة غير معروف للناس، يشاهده المارة في طريقهم من دون أن يعرفوا تاريخه وحكايات أصحابه، إلا أن تحويل وزارة الثقافة له إلى مجمع للفنون يضم فعاليات وأحداث ثقافية متنوعة وفتحه أحياناً أمام الزوار، أعاده للضوء وجعله من ضمن المزارات المهمة في المنطقة.

بني قصر "عائشة فهمي" عام 1907، وشيّده على الطراز الأوروبي المصمم الإيطالي أنطونيو لاشاك الذي يُعدّ من أشهر المعماريين الإيطاليين في أواخر القرن الـ19 وحتى ثلاثينيات القرن الـ20، وقد عاش فترة من حياته في مصر وترقّى لمنصب كبير المهندسين ثم مدير القصور الخديوية، وأنشأ عدداً من القصور الملكية في مصر، من أشهرها قصر "الزعفران" وقصر "الطاهرة" وقصر "الأميرة فاطمة" في الإسكندرية.

ويتكوّن قصر "عائشة فهمي" من طابقين وحديقة واسعة تطلّ على النيل، ويتميز بطراز معماري فريد، وتضم حجراته زخارف بديعة على الجدران والأسقف.

• قصة القصر.. لعنة أصابت أصحابه

وتشير سهير عبدالحميد إلى أن القصر شهد الكثير من الأحداث ما بين قصص زواج وطلاق وقتل وخيانة وكأن به لعنة أصابت أصحابه، فعلي بك فهمي، مؤسس القصر هو واحد من أغنى أغنياء عصره تفنّن في تشييده وتأثيثه، حتى إنه جلب حجرة النوم الخاصة بملك الصرب وتحفاً أخرى متعددة من حول العالم، ليقضي فيه أجمل أوقاته مع زوجته الفرنسية التي أردته قتيلاً بعد أشهر من الزواج، عندما واجهها بخيانتها.

وتضيف: "ورث علي ثروة والده الذي كان رجلاً عصاميّاً صعد بجهده السلم الاجتماعي، وعندما توفي كان إجمالي ما لديه 11750 فداناً من أجود الأراضي الزراعية، وكان الباشا قد أنجب من زوجته منيرة هانم، أربع فتيات هن فاطمة وعائشة وعزيزة وزينب وولداً واحداً هو علي، ولأنه كان الذكر الوحيد فقد تمتّع كثيراً بحياته وبثراء واسع، حتى لقّبه البعض بالبرنس".

• مقتل علي بيك فهمي

وعلى الرغم من الثراء والحياة المرفهة، جاءت نهاية علي بك فهمي مباغتة في لندن، لتتحوّل بعدها إلى قضية شهيرة تداولها الناس في الشرق والغرب.

وتشير عبدالحميد إلى أن "علي بيك فهمي وزوجته مارجريت ميللر كانا ينزلان في فندق سافوي بالعاصمة البريطانية حين نشب بينهما شجار، وفقدت مارجريت صوابها وقامت بإطلاق ثلاث رصاصات عليه، فهوى قتيلاً بعدما واجهها بعلاقتها الآثمة، لتتحوّل القصة إلى قضية ويتصدى لها المحامي الإنجليزي السير مارشال مول، ألمع المحامين في العالم آنذاك".

وفي الحادي عشر من سبتمبر 1923، بدأت جلسات المحاكمة في ردهات محكمة أولد بيلي في قلب لندن، وراح المحامي يسوق الأدلة على فظاظة الزوج، وأن موكلته فعلت ما فعلته دفاعاً عن نفسها أمام زوج "شرقي متخلّف"، ليتحول الأمر من شجار بين زوجين إلى صراع بين عادات الشرق والغرب، فيحصل لها على البراءة بعد أيام من المداولات في المحكمة.

وتضيف: "بعد ذلك، جاءت ميللر إلى مصر لتطالب بنصيبها في تركة زوجها الذي قتلته بيديها، مدّعية أنها حامل من البرنس، وحاولت الحصول على شهادة ميلاد مزوّرة لطفل زعمت أنه مات بعد أسابيع من ولادته، لكن مكيدتها انكشفت وتصدى لها الورثة، وبعد دعاوى قضائية متبادلة، حكمت محكمة الاستئناف المختلطة بعدم أحقيتها في التركة، ولا حتى في مؤخر الصداق، فهناك قاعدة شرعية قانونية في مصر بأن القاتل ليس له حق في إرث المقتول".

• عائشة هانم فهمي ترث القصر

بعد مقتل علي بك فهمي، بدأ تقسيم تركته على الورثة ومن بينها القصر الواقع في منطقة الزمالك، ليكون من نصيب شقيقته عائشة التي لا يزال يُعرف باسمها حتى الآن. وتوضح عبد الحميد، "أصبح القصر من نصيب عائشة هانم وحدها كما تشير إلى ذلك الوثيقة المسجلة في الشهر العقاري بتاريخ يوم الأربعاء الحادي عشر من يونيو 1924، بعد أن اشترت نصيب أختها عزيزة هانم فهمي بعقد رسمي".

• أزواج عائشة فهمي

وعلى الرغم من أن عائشة كانت تعيش في واحد من أجمل القصور وأفخمها في مصر، إلا أنها لم تجد السعادة والاستقرار، فقد تزوجت مرات عدة لم تكلّل بالنجاح، وكان أشهر أزواجها، الفنان يوسف وهبي، كما تقول عبد الحميد: "تزوجت عائشة هانم فهمي ثلاث مرات ولم تنجب، إذ كان زواجها الأول من أحمد سعيد، طبيب أمراض النساء والتوليد".

ثم تزوجت عائشة من يوسف بك وهبي، ولم يدُم زواجهما كثيراً لأنه استوحى قصة فيلمه (أولاد الذوات) من حادثة نسيبه المقتول، ليكون هذا الفيلم هو أول فيلم ناطق في مصر، تم إنتاجه عام 1932 وحقق نجاحاً هائلاً لدى عرضه نظراً إلى اهتمام الناس بالقضية التي كانت مطروحة على الساحة آنذاك".

وتضيف: "الزوج الثالث لعائشة فهمي هو أحمد فتحي، عضو مجلس الشعب في ذلك الوقت، وكان لعائشة فهمي نشاط واسـع في العمل الاجتماعي، وكانت عضوة في جمعية الهلال الأحمر، ولها مشاركات في مجالات مختلفة، كما كانت تربطها صلة قوية بهدى شعراوي، خصوصاً أن محمد شعراوي كان متزوجاً منيرة، ابنة شقيقتها فاطمة فهمي".

• نزاع بين الورثة والحكومة

وكما شهد هذا القصر منازعات بين ورثة علي بك فهمي، فإنه شهد جانباً آخر من الخلاف بين الحكومة والورثة، ففي حقبة معينة، نُزعت مُلكية كثير من القصور لتؤول للحكومة المصرية، فتقول عبد الحميد، "بوفاة عائشة فهمي عام 1962، آلت ملكية القصر إلى شقيقتيها فاطمة وعزيزة لتبدأ الأزمة بين الورثة والحكومة.

وفي عام 1964، صدر قرار نزع ملكية القصر لتحويله إلى فندق تابع للمؤسسة المصرية العامة للفنادق إيجوث، وتم جرد محتوياته بمعرفة الضرائب، واستلم كل من عبد الحليم عاصم وعزيزة فهمي باعتبارهما حارسين على التركة، بعض الأثاث، ثم في عام 1974، حُدد القرار الجمهوري 164 بشأن نزع ملكية القصر بوصفه من المنفعة العامة وتحويله إلى متحف لعرض مجوهرات أسرة محمد علي.

وتضيف عبدالحميد: "عرضت هذه المذكرة على رئيس الجمهورية، فأصدر قرار نزع الملكية ولم ينفذ المشروع، وبعدما تغيرت الوزارة، اقترحت الوزارة الجديدة تخصيص القصر ليكون مقرّاً لواحدة من الجمعيات الاجتماعية الكبيرة، ولكن الرئيس السادات لم يوافق، ثم منحه إلى ثروت أباظة ليتخذه مقرّاً لرابطة الأدباء.

وعام 1971، تحوّل القصر إلى مخزن لوزارة الإعلام، ولما رأى ورثة القصر البالغ عددهم 49 شخصاً أن الدولة لم تستخدم القصر للأغراض التي نص عليها قرار نزع الملكية، أقاموا دعوى لاسترداده لكن لم يُوفّقوا، وظل القصر بحوزة وزارة الثقافة حتى تحوّل إلى مجمع للفنون ولا يزال حتى الآن.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك