على إحدى أرفف جناح دار الشروق، يُطل يوسف شاهين بنظرته الثاقبة، وإلى جواره معشوقته الكاميرا، حيث تتيح الدار داخل جناحها بمعرض القاهرة للكتاب "يوسف شاهين نظرة الطفل وقبضة المتمرد" من تأليف الناقد اللبناني إبراهيم العريس، وهو واحد من أصدقاء الراحل شاهين لسنوات طويلة.
الكتاب يُعد تحليلًا نقديًا شاملًا لإبداع المخرج المصري العالمي يوسف شاهين، ويعطي نظرة عميقة إلى مسيرته وأسلوبه، حيث يقدم تحليلًا لفيلم وراء فيلم ضمن مسار شاهين السينمائي، ويربط بين التجربة الإبداعية وشخصيته وحياته وأجواء عقوده.
ويتناول تنوع أفلامه بين الكوميديا الموسيقية، الميلودراما، السيرة الذاتية، والقضايا القومية، موضحًا كيف توزعت رؤيته وأساليبه بين هذه الأنواع، ويعرض أساليب وتقنيات شاهين في السينما الروائية والتسجيلية بعمق نقدي، مع لغة جاذبة للقراءة.
ويضم الكتاب ملحقات مهمة، حيث يحتوي على 3 ملاحق متميزة: رأي يوسف شاهين في كل فيلم على حدة "تعليقات أو ملاحظات مباشرة". تحليلات شاهين في عيون نقاد وسينمائيين عرب وأجانب "وجهات نظر نقدية متنوعة". فيلموجرافيا كاملة لأعمال يوسف شاهين "قائمة أفلامه".
ما يميّز الكتاب أنه يُعد من أوائل الدراسات النقدية الشاملة باللغة العربية عن تجربة يوسف شاهين السينمائية، فهو يقدم مزيجًا بين السياق التاريخي لأعمال شاهين وتفاصيل أسلوبه وتقنياته الفنية، ما يجعله مرجعًا مهمًا لطلاب السينما والمهتمين بتاريخ السينما بشكل عام، وبتاريخ شاهين بشكل خاص.
كما أن العريس يطرح الكتاب منذ البداية في صورة ثنائية حاكمة لفهم شاهين: نظرة الطفل: الدهشة، الفضول، البراءة القلقة، الرغبة في الاكتشاف، الحسّ الجسدي والعاطفي المباشر. وقبضة المتمرد: الرفض، الصدام مع السلطة "السياسية/الدينية/الاجتماعية"، العناد الجمالي، وتكسير الأشكال السائدة، لأن شاهين عند العريس ليس مخرج قضايا فقط، بل ذات قلقة تصنع خطابها عبر السينما.
يرى العريس أن شاهين يمثل جزءًا من ذاته في أغلب أفلامه، حتى التي سبقت المرحلة الذاتية الواضحة، منذ بابا أمين، حيث ينقل أفكار عن العائلة والعلاقات الأسرية، التي شاهدناها فيما بعد في أعمال ذاتية له.
وفي إطار هذه الرؤية، يقدم العريس قراءة لشاهين بصورة غير نمطية، على سبيل المثال فهو يطرح البدايات كمرحلة غير تقليدية، بل كـ: تمرين على امتلاك اللغة السينمائية داخل نظام إنتاج محافظ، وصراع بين الرغبة في التعبير الذاتي ومتطلبات السوق، لذلك يصف العريس هذه المرحلة أن "شاهين يتعلم فيها كيف يُخبئ نفسه داخل الحكاية".
ويتنقل في الكتاب عبر تقسيم حياة شاهين الفنية إلى مراحل مختلفة، كل مرحلة تضم مجموعة من الأفلام، والسياق السياسي والنفسي لشاهين الذي أحاط صناعة هذه الأعمال، ويقول العريس "يمكننا أن نتكلم بصدد مسار شاهين السينمائي عن سينما تاريخية مؤدلجة قليلا –مثل الناس والنيل- وعن سينما ذاتية –مثل حدوتة مصرية- وفي وسعنا أن نتكلم أيضا عن سينما الهزيمة، والتي تجمع 5 أفلام: الأرض، الاختيار، العصفور، عودة الابن الضال".
يمكن رؤية تقسم مسيرة شاهين إلى مراحل في سياق أنه ليس مخرجا متماسكا بل صادقا لذلك متقلبا وفقا أفكاره تجاه كل مرحله، صادقا في قلقه تجاه: الذات، السياسة، الجسد، وملئ بالتناقضات أحيانا.
يحتفي الكتاب أيضا بكثير من أفلام شاهين، ويضعها في مكانة خاصة، على سبيل المثال فيلم الأرض، الذي يصفه "حافظ الأرض على رواية عبد الرحمن الشرقاوي وأجوائها ولكن محصلته النهائية أتت سينمائية خالصة، ما يجعله واحدا من الأفلام النادرة في تاريخ السينما المصرية بل وحتى في تاريخ سينما العالم، الذي يتجاوز في قوته قوة النص الأدبي الذي أخذ عنه".
ويولي العريس أهمية خاصة في الكتاب لآراء شاهين حول أعماله، لأنها تكشف الفجوة بين: نية المخرج وقراءة الفيلم وهنا يؤكد: "شاهين لا يملك أفلامه.. أفلامه هي التي تفضحه"، لذلك تضم الملاحق تعليقات مطولة حول الأفلام تحت عنوان "سينما شاهين كما يراها جو"، وتحت عنوان آخر يجمع العريس آراء متنوعة حول سينما شاهين تحت عنوان "سينما شاهين في مرآة الآخرين" ويبدأه بالناقد الفرنسي كريستيان بوسينو، ويضم هذا القسم تعليقات لـ سمير نصري، تييري جوس، باترسي شيرو، رينيه آليو، علي أبو شادي، وغيرهم.