أثارت تصريحات الكاتب الأمريكي والسفير الوطني لأدب اليافعين في الولايات المتحدة، ماك بارنيت، جدلًا واسعًا بعدما ألمح في كتابه الجديد «التخييل: في رواية القصص للأطفال» إلى أن نسبة كبيرة من كتب الأطفال تفتقر إلى الجودة الأدبية، وهو ما دفع بعض الكتّاب وأمناء المكتبات إلى اتهامه بالإساءة إلى المجال الذي يفترض أن يدافع عنه.
ورأى "بارنيت" أن للأطفال حقًا في الوصول إلى أدب رفيع المستوى، منتقدًا ما يعتبره هيمنة للنزعة التعليمية والوعظية على كثير من كتب الأطفال، الأمر الذي يؤدي - بحسب رأيه - إلى إنتاج أعمال تفتقر إلى العمق والجمال الفني.
كما كرر في كتابه انتقاداته لجودة جانب كبير من الإنتاج الموجه للصغار، معتبرًا أن ضعف مستوى كثير من الكتب يسهم في النظرة المتدنية التي يواجهها هذا النوع الأدبي، نقلًا عن مجلة "ذا نيويوركر".
وعلى الصعيد الآخر، قالت الصحفية الأمريكية، جيسيكا وينتر، إن هذا الجدل يغفل القضية الأكثر إلحاحًا، وهي التراجع المستمر في معدلات القراءة بين الأطفال، وأشارت إلى أن دراسة أعدها باحثون من جامعتيّ ستانفورد وهارفارد خلصت إلى أن الولايات المتحدة دخلت منذ عام 2013 مرحلة من الركود التعليمي، فيما سجلت نتائج القراءة لدى طلاب الصف الثامن عام 2024 أدنى مستوياتها منذ عام 1990.
كما أظهرت بيانات "التقييم الوطني للتقدم التعليمي" تراجع القراءة من أجل المتعة بين الأطفال بشكل حاد؛ إذ يقرأ 37% فقط من الأطفال في سن التاسعة و14% من الأطفال في سن الثالثة عشرة للمتعة بصورة شبه يومية، مقارنة بمعدلات أعلى بكثير قبل أربعة عقود، كذلك ارتفعت نسبة المراهقين الذين لا يقرؤون للمتعة مطلقًا أو نادرًا جدًا إلى 29%.
وربطت الكاتبة هذا التراجع بعوامل عدة، من بينها الإفراط في استخدام الوسائط الرقمية؛ إذ أفاد نحو 46% من المراهقين في استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث بأنهم متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم. كما تراجعت معدلات القراءة بين البالغين أنفسهم، وانخفضت نسبة الآباء الذين يقرؤون بصوت مرتفع لأطفالهم في سنواتهم الأولى.
ورأت "وينتر" أن الضغوط لا تقتصر على التكنولوجيا، بل تشمل أيضًا تراجع الدعم المؤسسي للقراءة والمكتبات؛ فقد شهدت الولايات المتحدة انخفاضًا ملحوظًا في أعداد أمناء المكتبات المدرسية خلال السنوات الأخيرة، في وقت تؤكد فيه الدراسات أن وجودهم يرتبط بتحسن الأداء الدراسي وتشجيع الأطفال على القراءة.
ونقلت الكاتبة عن الرئيسة السابقة لجمعية مكتبات نيويورك، أرلين لافيردي، قولها إن المطلوب ليس الحكم على ما يقرأه الأطفال، بل مساعدتهم على إيجاد الكتب التي تثير اهتمامهم، وشددت على أن بعض الأطفال قد ينجذبون إلى الروايات المصورة أو الكتب المرجعية أكثر من الأدب الكلاسيكي، وأن الأهم هو الحفاظ على علاقتهم بالقراءة في مرحلة عمرية حاسمة.
وفي هذا السياق، أكد عدد من التربويين أن تنمية عادة القراءة تشبه اكتساب أي عادة إيجابية أخرى؛ فالأولوية ليست لفرض معايير أدبية صارمة على القراء الصغار، بل لتشجيعهم على القراءة أولًا، ثم توسيع آفاقهم تدريجيًا.
وخلصت "وينتر" إلى أن أزمة القراءة بين الأطفال لا يمكن اختزالها في جودة الكتب وحدها، فبينما ينشغل البعض بتقييم ما إذا كانت الكتب جيدة أم رديئة، تتراجع معدلات القراءة بفعل عوامل تعليمية وتكنولوجية وثقافية أوسع. ولذلك فإن تشجيع الأطفال على القراءة، مهما اختلفت اختياراتهم، قد يكون أكثر أهمية من الانشغال بالحكم على ما يقرؤونه.