أمجد مصطفى يكتب: «الموسيقى العربية».. الحائر بين النجوم و حماية الرسالة؟ - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2026 10:34 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

أمجد مصطفى يكتب: «الموسيقى العربية».. الحائر بين النجوم و حماية الرسالة؟


نشر في: السبت 24 أكتوبر 2026 - 9:44 م | آخر تحديث: السبت 24 أكتوبر 2026 - 9:44 م

من صابر الرباعي وأنغام وماجدة الرومي إلى فلسفة رتيبة الحفني.. ليست القضية من يغني، وإنما لماذا نقيم المهرجان؟

هل كان مهرجان الموسيقى العربية يحتاج إلى صابر الرباعي وأنغام وماجدة الرومي و أصالة الخ من كبار النجوم، حتى يثبت حضوره، ويصنع حالة جماهيرية، ويحقق إقبالا على حفلاته؟ أم أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه هو: ماذا نريد من مهرجان الموسيقى العربية؟ وما الرسالة التي يجب أن يحملها إلى الأجيال الجديدة، في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة، وتتراجع فيه مساحات و منصات الفن الجاد، وتختلط فيه معايير القيمة الفنية بمعايير الانتشار والنجاح التجاري؟

لا أتحدث هنا عن قيمة هؤلاء النجوم، ولا أنتقص من تجاربهم الفنية، فلكل منهم مكانته وجمهوره وبصمته في الغناء العربي، وإنما أتحدث عن فلسفة مهرجان يحمل اسم الموسيقى العربية، وله تاريخ ومسؤولية، ويتجاوز في جوهره مجرد إقامة حفلات غنائية يلتقي فيها المطرب بجمهوره.

السؤال ليس من يقف على المسرح، بل ماذا يقدم هذا المسرح للموسيقى العربية؟

حين أسست الدكتورة رتيبة الحفني مهرجان الموسيقى العربية عام 1992، لم تكن الفكرة مجرد إضافة موسم جديد إلى مواسم الحفلات، أو صناعة نافذة أخرى لظهور النجوم، وإنما كانت هناك رؤية ثقافية وفنية تسعى إلى صون التراث الموسيقي العربي، والتعريف بمدارسه وأعلامه، وحماية هويته، وفتح نوافذ الحوار بين ماضيه وحاضره ومستقبله.

كانت رتيبة الحفني تدرك أن التراث ليس مجموعة من الأغنيات القديمة التي نستدعيها في المناسبات، ولا أرشيفا نحتفظ به في الخزائن، وإنما هو ذاكرة أمة، ووجدان شعب، وتراكم إبداعي لا يجوز التفريط فيه أو التعامل معه باعتباره عبئا من الماضي.

ومن هنا، فإن الحفاظ على المهرجان لا يعني مجرد استمرار انعقاده عامًا بعد عام، ورفع الستار عن حفلاته في موعدها، وإنما يعني الحفاظ على الفكرة التي أنشئ من أجلها، وصيانة هويته من التآكل، وضمان ألا تنفصل صورته الجماهيرية عن رسالته الفنية والثقافية.

المهرجان ليس شباك تذاكر.. والموسيقى ليست سلعة!

من الضروري أن نعيد النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح مهرجان الموسيقى العربية. فهل يقاس النجاح بحجم مبيعات التذاكر وحده؟ وهل يصبح المطرب أكثر قيمة لأن حفله كامل العدد، بينما تتراجع قيمة مطرب آخر لأن جمهوره أقل عددا؟ وهل تتحول الأرقام إلى حكم نهائي على القيمة الفنية، وكأننا أمام مباراة تجارية لا مؤسسة ثقافية تحمل مسؤولية حماية الذوق العام؟

بالطبع، لا يمكن تجاهل الجمهور، ولا التقليل من أهمية الإقبال الجماهيري، ولا التعامل مع الحفلات باعتبارها نشاطًا معزولا عن الواقع الاقتصادي. فالمهرجان يحتاج إلى جمهور يتفاعل معه، وإدارة تعرف كيف تجذب الناس إليه، وموارد تساعده على الاستمرار. لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه العناصر من وسائل تدعم الرسالة إلى غايات تبتلع الرسالة نفسها.

فالصوت لا يقيَّم بما يحققه من مبيعات، والأغنية لا تكتسب قيمتها من عدد التذاكر التي بيعت من أجل سماعها، والمطرب لا يصبح بالضرورة أكثر أصالة لأنه يملأ المدرجات. ولو أصبحت شباك التذاكر هي المعيار الحاكم للاختيار، لتغيرت قواعد اللعبة، ولأصبح منطق السوق هو صاحب الكلمة العليا، بينما تتراجع اعتبارات القيمة الفنية والتاريخية والثقافية إلى الصفوف الخلفية.

إننا لا نرفض النجاح الجماهيري، وإنما نرفض أن يكون هو المعيار الوحيد، ولا نعترض على حضور النجوم، وإنما نعترض على أن يتحول حضورهم إلى غاية في ذاته، بصرف النظر عن موقعهم من رسالة المهرجان وأهدافه.

وماذا عن المؤتمر؟ أين العقل الذي يناقش ما تغنيه الأصوات؟

هنا نصل إلى نقطة لا تقل أهمية عن الحفلات نفسها، وهي كلمة «المؤتمر» التي تقترن باسم المهرجان. فحين نقول مهرجان الموسيقى العربية ومؤتمرها، فإننا نتحدث عن مسارين متكاملين: مسار يحتفي بالفن على خشبة المسرح، ومسار يفكر في هذا الفن، ويبحث في قضاياه، ويدرس تحولات الموسيقى العربية، ويتأمل مستقبلها.

فهل نعطي المؤتمر ما يستحقه من اهتمام؟ وهل نمنح الباحثين والموسيقيين والنقاد مساحة حقيقية للنقاش وتبادل الخبرات؟ وهل تتحول توصياته إلى خطوات عملية تحفظ التراث، وتدعم البحث الموسيقي، وتوثق الأعمال النادرة، وتفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لفهم تاريخ الموسيقى العربية ومدارسها؟

إن إقامة الحفلات وحدها لا تكفي لصناعة مشروع ثقافي، مهما بلغت جودتها أو ارتفعت قيمة نجومها. فالحفل ينتهي بانطفاء الأضواء، وتصفيق الجمهور، ومغادرة آخر متفرج، أما المشروع الثقافي الحقيقي فيظل أثره ممتدًا، بما يتركه من معرفة، وما يقدمه من اكتشافات، وما يضيفه إلى الوعي الجمعي.

ولذلك، فإن المؤتمر ليس ملحقًا بروتوكوليًا بالحفلات، ولا عنوانًا يُضاف إلى اسم المهرجان لاستكمال الصورة، وإنما هو أحد أركانه الأساسية، ومن خلاله يمكن أن تتجدد الفكرة، وأن تتحول حماية التراث من شعار إلى عمل مؤسسي مستمر.

نحتاج إلى أصوات تفهم قيمة ما تغنيه، لا أصوات تجيد الغناء فقط.

إن مهرجان الموسيقى العربية يحتاج إلى أصوات تعي قيمة المشروع الذي تشارك فيه، وتدرك أن الوقوف على خشبته ليس مجرد فرصة للغناء أمام جمهور كبير، وإنما مسؤولية تجاه تاريخ طويل من الإبداع العربي.

نحتاج إلى مطربين يمتلكون الوعي بما يقدمونه، ويعرفون الفارق بين أداء أغنية تراثية بوصفها واجبًا في برنامج الحفل، وبين إعادة تقديمها باعتبارها عملًا فنيًا يحمل روح عصره، ويحافظ في الوقت نفسه على أصالته وخصوصيته. ونحتاج إلى فنانين يدركون أن التراث ليس قيدًا على الإبداع، وأن التجديد لا يعني هدم ما سبق، وإنما فهمه واستيعاب عناصر قوته، ثم الانطلاق منه إلى آفاق جديدة.

كما نحتاج إلى منح الأجيال الجديدة فرصة حقيقية للظهور، لا باعتبارها فقرات تكميلية في جدول الحفلات، وإنما بوصفها جزءًا من مستقبل الموسيقى العربية. فالمهرجان الذي يحتفي بالنجوم الكبار ولا يفتح الطريق أمام نجوم الغد، يشبه شجرة عظيمة تكتفي بثمارها القديمة ولا تفكر في أغصانها الجديدة.

وليس المطلوب أن نختار بين نجوم الأمس ونجوم اليوم، أو بين الأصالة والمعاصرة، وإنما أن نخلق مساحة تليق بالجميع، وفق رؤية فنية واضحة تضع قيمة العمل في المقدمة، وتمنح كل تجربة موقعها الطبيعي، بعيدًا عن الحسابات التي تختزل النجاح في حجم الدعاية أو عدد المقاعد المشغولة.

الحفاظ على المهرجان هو الحفاظ على الفكرة.

إن الأصل في الحكاية هو الحفاظ على مهرجان الموسيقى العربية، لا باعتباره حدثًا سنويًا فحسب، وإنما باعتباره إحدى المؤسسات التي يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في حماية الذاكرة الموسيقية العربية، وتعريف الأجيال الجديدة بقاماتها ومدارسها، وصيانة تراثها من النسيان والتشويه، في وقت أصبحت فيه الموسيقى متاحة للجميع، لكن المعرفة بتاريخها وقيمتها ليست بالضرورة متاحة بالقدر نفسه.

والحفاظ على المهرجان يقتضي أن نراجع أهدافه باستمرار، وأن نمنح إدارته رؤية فنية مستقرة، وأن نعيد الاعتبار إلى المؤتمر العلمي، وأن نعمل على توثيق الأعمال الموسيقية، وأن نفتح أبواب المشاركة أمام المواهب الشابة، وأن نتعامل مع التراث باعتباره مشروعًا حيًا يتجدد، لا مجرد ماضٍ نتغنى بأمجاده.

كما يقتضي أن نتذكر صاحبة الفكرة، الدكتورة رتيبة الحفني، وأن يكون استحضار اسمها مرتبطًا باستمرار مشروعها وتحقيق أهدافه، لا بمجرد ذكرها في كلمات الافتتاح أو مناسبات التكريم. فالتكريم الحقيقي للمؤسسين هو أن نحافظ على ما أسسوه، وأن نضيف إليه، وأن نمنع انحرافه عن المسار الذي رسموه له.

في النهاية، لا أرى أن المشكلة في مشاركة صابر الرباعي أو أنغام أو ماجدة الرومي، ولا في وجود نجوم يمتلكون جماهيرية واسعة، فالمهرجان يتسع لأسماء وتجارب متعددة. لكن القضية التي تستحق النقاش هي: هل نختار النجوم لخدمة رسالة المهرجان، أم نختزل رسالة المهرجان في استقطاب النجوم؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين مهرجان يملك مشروعًا ثقافيًا، وآخر يكتفي ببرنامج حفلات ناجح.

فالموسيقى العربية أكبر من أن تُختزل في شباك تذاكر، ومهرجانها أعمق من أن يُقاس بعدد الحفلات كاملة العدد.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا: حين تُطوى ستائر الدورة، وتنتهي الحفلات، وتغادر الجماهير مقاعدها، ماذا يبقى في ذاكرة الموسيقى العربية؟ هل تبقى مجرد ليالٍ غنائية ناجحة، أم يبقى أثر ثقافي يحمي التراث، ويصنع وعيًا جديدًا، ويمهد الطريق لأجيال تحمل الأمانة؟

ذلك، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي لمهرجان الموسيقى العربية، وتلك هي المسؤولية التي تركتها لنا رتيبة الحفني منذ عام 1992.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك