- 18 فريقا في عرض البحر و40 متسابقا على الأرصفة.. والسيدات والأشبال يزاحمون الرجال على منصات التتويج
من رصيف يترقب عليه الصيادون حركة المياه، إلى مراكب تشق طريقها في عرض البحر المتوسط، تتعدد حكايات الصيد وتبقى المتعة واحدة "صنارة مُعلقة بأمل العودة بصيد وفير، وعيون تراقب حركة البحر، ومنافسة لا تحسمها قوة الخبرة وحدها، بل يدخل الطقس وحظ الصياد في معادلتها أيضا".. هكذا أسدل نادي الصيد المصري بالإسكندرية الستار على مهرجان صيد الأسماك، في ختام موسم 2026-2027، بعدما تحولت مياه البحر وأرصفة النادي إلى ساحات للتنافس بين أجيال مختلفة، جمعت الرجال والسيدات والأشبال، في مشهد تتجاور فيه خبرة الكبار مع حماس الصغار، وتصبح فيه السمكة الأكبر هدفا يشعل المنافسة حتى اللحظات الأخيرة.
وشهد المهرجان مشاركة 18 فريقا في مسابقات الصيد بالمراكب في عرض البحر، إلى جانب 40 مشاركا في منافسات الصيد من أرصفة النادي، قبل أن تختتم الفعاليات بتكريم الفائزين، في تقليد سنوي يحرص النادي على تنظيمه منذ أكثر من 25 عاما.
وقال المهندس عصام حسين سعيد، رئيس لجنة الصيد بالنادي، لـ"الشروق"، إن المهرجان يستهدف تنمية هواية الصيد وتشجيع ممارستها بين مختلف الأعمار، وإتاحة الفرصة أمام الأعضاء لخوض المنافسات واكتساب الخبرات، في أجواء يسودها الالتزام والروح الرياضية.
وأوضح أن المنافسات شهدت تنوعا في طرق الصيد، إذ تضمنت مسابقات المراكب في عرض البحر الصيد بالجر والكاستنج والجيجنج والتسقيط، إلى جانب مسابقة الصيد من أرصفة النادي، بما يمنح المشاركين فرصة لاختبار مهاراتهم في أكثر من أسلوب، وفقا لطبيعة المنافسة والظروف البحرية.
بين الجر والصيد بالمراكب.. سباق على أكبر سمكة
لم تكن المنافسة على كمية الأسماك وحدها، فهناك لقب آخر يستقطب الأنظار ويمنح صاحبه فرصة خاصة للاحتفال، وهو لقب "أكبر سمكة"، الذي نجح المتسابق مروان أسامة في حسمه، إلى جانب فوزه بالمركز الأول في مسابقة الجر، ليجمع بين لقبين في المهرجان.
وفي منافسات الصيد بالمراكب، فرضت السيدات حضورهن، بعدما فاز فريقهن، الذي ضم: هبة حنفي ونسمة شحاتة وسارة فؤاد وجودي هاني، بالمركز الأول في مسابقة صيد التسقيط، في تأكيد على اتساع قاعدة ممارسة الهواية، وقدرة المشاركات على المنافسة في أجواء تتطلب الصبر والتركيز والخبرة.
أما على أرصفة النادي، فتوزعت المراكز الأولى بين مختلف الفئات؛ إذ فاز محمد عبدالرازق بالمركز الأول في فئة الرجال، وحصدت نادية محمد دسوقي المركز الأول في فئة السيدات، فيما فاز سالم مصطفى بالمركز الأول في فئة الأشبال.
وتعتمد نتائج المسابقات على قواعد تختلف باختلاف طريقة الصيد؛ ففي منافسات التسقيط، يُحتسب الوزن الإجمالي لحصيلة الصيد، بينما تخضع مسابقة الجر لنظام نقاط يرتبط بأنواع الأسماك وقواعد المنافسة، مع الاستعانة بالأوزان عند الحاجة إلى الفصل بين النتائج.
وراء الأرقام والألقاب، تبقى رحلة الصيد نفسها جزءا أساسيا من متعة المهرجان، بما تحمله من استعداد وتنسيق بين المشاركين، وانتظار لما قد تجود به المياه، في تجربة لا تتكرر تفاصيلها بالطريقة نفسها مرتين.
وقال خيري محمد، أحد المشاركين في المهرجان، لـ"الشروق"، إن البحر المتوسط يضم أنواعا متنوعة من الأسماك، تختلف طرق صيدها بحسب طبيعة كل نوع، موضحا أن الشراغيش والغزيلة من الأنواع الموسمية التي تُصطاد بالتسقيط.
وأضاف أن رحلة الصيد شهدت تنسيقا لخروج الفرق المشاركة، وتمكن المشاركون خلالها من اصطياد نحو كيلو ونصف من سمك الغزيلة، مشيرا إلى أن المنافسات تشمل الرجال والسيدات والأشبال، إلى جانب الفرق المشاركة في مسابقات الجر، التي تتولى لجنة متخصصة الإشراف عليها، برئاسة رئيس اللجنة وبمشاركة حكم الميزان، لضمان احتساب النتائج وفقا للقواعد المحددة.
ولا تتوقف تفاصيل الرحلة عند اختيار طريقة الصيد أو تجهيز الأدوات؛ فحالة البحر تظل عاملا مؤثرا في فرص العودة بصيد وفير، وهو ما يعرفه جيدا إسلام محسن، أحد المشاركين في المهرجان، الذي يمارس هواية الصيد منذ الصغر.
وقال محسن إن كل رحلة صيد تحمل تجربة مختلفة، إذ تتغير فرص اصطياد الأسماك وفقا للأحوال الجوية والظروف البحرية، وقد تكون المياه ملائمة للصيد في بعض الأوقات، بينما تتراجع الفرص في أوقات أخرى، مؤكدا أن الهواية تحتاج إلى الصبر والخبرة والقدرة على التعامل مع تغيرات البحر.
وبينما يتبادل الكبار خبراتهم ويحاولون تحسين أوزان حصيلتهم، كانت للأشبال حكاياتهم الخاصة، ومن بينهم ريماس واثق، البالغة من العمر 11 عاما، وتدرس بالصف السادس الابتدائي، التي شاركت في مهرجان صيد الأسماك للمرة الثالثة، برفقة والدتها وشقيقتها الكبرى.
وقالت ريماس لـ"الشروق" إنها نجحت في اصطياد سمكتين، إحداهما من نوع البطاطا والأخرى من نوع الشراغيش، بوزن إجمالي بلغ نحو 50 جراما، معربة عن سعادتها بالمشاركة في المهرجان، وتطلعها إلى تحقيق نتائج أفضل في المنافسات المقبلة.
ولا يبدو وزن السمكتين كبيرا مقارنة بما يسعى إليه أصحاب الخبرة في مسابقات الصيد، لكن بالنسبة إلى طفلة تخوض المنافسة للمرة الثالثة، فإن التجربة تحمل قيمة تتجاوز الميزان، بما تمنحه من فرصة للتعلم واكتساب الخبرة والاستمتاع بالمشاركة وسط أفراد أسرتها.
ويؤكد رئيس لجنة الصيد أن أنشطة النادي البحرية لا تقتصر على صيد الأسماك، بل تشمل رياضات أخرى، من بينها الشراع والكياك والسباحة بالزعانف، في إطار الاهتمام بتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية وتشجيع الأعضاء على خوض تجارب متنوعة ترتبط بالبحر.
وبين متسابق يطمح إلى انتزاع لقب أكبر سمكة، وآخر يترقب تحسن الأحوال البحرية، وطفلة تتطلع إلى تطوير مهاراتها في كل مشاركة، يظل مهرجان الصيد مساحة تجمع الأجيال حول شغف مشترك، تتداخل فيه المنافسة مع التعلم والترفيه، فقد تختلف أحجام الأسماك التي يعود بها المشاركون، وتتباين النتائج بين أصحاب الخبرة والمبتدئين، لكن ما يجمعهم أكبر من حصيلة الصيد؛ إنه انتظار اللحظة التي تتحرك فيها الصنارة، ويتحول معها الترقب إلى فرحة، وتصبح رحلة البحر حكاية تستحق أن تُروى، حتى لو لم تكن السمكة الأكبر من نصيب صاحبها.