من روبنسون كروزو إلى زادي سميث.. كتاب جديد يرصد 3 قرون من تطور الرواية البريطانية - بوابة الشروق
الجمعة 25 سبتمبر 2026 7:56 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

من روبنسون كروزو إلى زادي سميث.. كتاب جديد يرصد 3 قرون من تطور الرواية البريطانية

منى غنيم
نشر في: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 4:13 م | آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 4:13 م

- الكتاب يعيد اكتشاف أعمال كبار الروائيين
- يسلط الضوء على معاناة بعض الروائيين في القرن الـ19 مثل جين أوستين التي كلفتها حقوق النشر أموالا قبل نجاح روايتها كبرياء وتحامل

رصد كتاب "تاريخ الرواية في بريطانيا" للروائي والناقد فيليب هينشر، تطور الرواية البريطانية منذ عام 1719، عندما أصدر الروائي الإنجليزي دانيال ديفو رواية "روبنسون كروزو"، وصولا إلى عام 2000، ولم يكتفي الكتاب بتوثيق تاريخ هذا الفن الأدبي، وإنما قدم سردا ممتعا لتطور الرواية، ما أتاح استعادة أعمال أدبية شهيرة وإعادة اكتشاف مؤلفين وكتب لم تحظَ بما تستحقه من تقدير.

واعتمد هينشر في كتابه منهجا يختلف عن الطريقة التقليدية المتبعة في إعداد الدراسات الشاملة لتاريخ الأدب، والتي تعتمد عادة على مجموعة من الأكاديميين، يتولى كل منهم كتابة فصل حول تخصصه، وأدى هذا الأسلوب في كثير من الأحيان إلى التعامل مع كل مرحلة أو كاتب بمعزل عن الآخر، من دون إظهار الروابط التاريخية والفكرية التي شكلت تطور الأدب.

وقدم هينشر تاريخا مترابطا للرواية، موضحا كيف تأثر الروائيون بعضهم ببعض، وكيف جاءت الأعمال الأدبية اللاحقة استجابة لأعمال سبقتها، وساعدته خبرته كروائي في تناول الجوانب الفنية للرواية، بما في ذلك تفسير أسباب استخدام بعض فصول رواية الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز "دومبي وابنه" زمن المضارع، وكيف تمكن الروائي البريطاني هنري جيمس من توظيف أسلوب الخطاب غير المباشر الحر في رواية "ما كانت تعرفه مايسي".

وبعد استعراض نشأة الرواية، انتقل الكتاب إلى منتصف القرن الثامن عشر، حيث شهدت الساحة الأدبية سلسلة من المواجهات بين الروائيين الإنجليزيين صمويل ريتشاردسون وهنري فيلدينج؛ ففي عام 1740 نشر ريتشاردسون رواية "باميلا"، ليرد فيلدينج عليه بعد عام برواية ساخرة حملت عنوان "شاميلا"، ثم واصل معالجة النموذج نفسه بصورة أكثر اتساعا في رواية "جوزيف أندروز" عام 1742، وفي المقابل، عاد ريتشاردسون للرد على فيلدينج، بعدما أثار غضبه ما اعتبره افتقار رواية "توم جونز"، الصادرة عام 1749، إلى هدف أخلاقي، فأصدر عام 1754 رواية "تاريخ السير تشارلز جرانديسون".

وألقى الكتاب الضوء كذلك على الأوضاع المالية التي أحاطت بالمنافسة بين ريتشاردسون وفيلدينج، موضحا الفارق بين نماذج النشر التي اتبعها كل منهما وما حملته من مخاطر ومكاسب، وكان ريتشاردسون يعمل في الطباعة قبل أن يصبح مؤلفا، وتمكن من الاحتفاظ بحقوق نشر أعماله، وهو ما منحه استقلالية في تشكيل الرواية الناشئة وفق رؤيته الخاصة.

وفي رواية "كلاريسا" الصادرة عام 1748، وصل هذا الاستقلال إلى أقصى حدوده، إذ بلغت الرواية نحو مليون كلمة، وكتبت بالكامل في شكل رسائل، أما فيلدينج، فحظي بدعم راعٍ وطابع مكناه من الاستمرار في عمله، حتى مع اتخاذه خيارات فنية اتسمت بالغرابة وعدم التقليدية.

ولم يكن هذا الوضع متاحا لمعظم المؤلفين؛ فقد باعت الروائية الإنجليزية جين أوستن رواية "كبرياء وتحامل" إلى الناشر الإنجليزي توماس إجرتون مقابل مبلغ ثابت عام 1812، بعدما خسرت أموالا من نشر رواية "العقل والعاطفة" نتيجة إصرارها سابقا على الاحتفاظ بحقوق النشر وتحمل تكاليف الطباعة.

وبموجب الاتفاق الجديد، لم يكن إجرتون ملزما بإنفاق أكثر من الحد الأدنى على إنتاج الرواية، وعندما صدرت "كبرياء وتحامل" عام 1813، طبعت بحروف صغيرة للغاية وعلى ورق رديء، الأمر الذي أثار استياء القراء ودفعهم إلى وصفها بأنها شبه مستحيلة القراءة.

ومع ذلك، لم تمنع هذه البداية الصعبة أوستن من مواصلة مسيرتها الأدبية، وإن احتاج الأمر إلى عقود قبل أن تعترف المؤسسة الأدبية بمكانتها؛ إذ لم يبدأ هذا الاعتراف على نطاق واسع إلا في أربعينيات القرن العشرين، نقلا عن صحيفة "الجارديان".

إعادة الاعتبار إلى عد من المؤلفين والأعمال الروائية

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب إعادة الاعتبار إلى عدد من المؤلفين والأعمال الذين لم يحصلوا على التقدير المناسب؛ فالشاعرة الإنجليزية هانا مور، التي غالبا ما جرى تصويرها باعتبارها امرأة متزمتة، ظهرت هنا كاتبة تتمتع بأسلوب جميل ورشيق، كما أعاد الكتاب تقديم الروائي الاسكتلندي توبياس سموليت، الذي يُنظر إليه حاليا في كثير من الأحيان باعتباره كاتبا ضعيفا، بوصفه مؤلفا مبدعا يمتلك قدرة استثنائية على التحكم في صوت السرد.

وشمل هذا التقييم أيضا الروائي الإنجليزي أرنولد بينيت، الذي التصقت به صورة الكاتب الممل بسبب الانتقادات القاسية التي وجهتها إليه الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف عام 1924، وأعاد الكتاب تسليط الضوء على روايته "حكاية الزوجات العجائز" الصادرة عام 1908، معتبرا أنها من الأعمال التي تستحق مكانة بارزة ضمن أفضل 20 رواية باللغة الإنجليزية في القرن العشرين.

انتقادات قاسية لعدد من الكُتاب

وفي المقابل، لم يتردد هينشر في توجيه انتقادات قاسية إلى عدد من الكُتاب؛ فوصف الروائية الإنجليزية آن رادكليف، مؤلفة الرواية القوطية واسعة الانتشار "أسرار أودولفو" الصادرة عام 1794، بأنها كاتبة سيئة للغاية، كما اعتبر الشاعر البريطاني دي إم توماس، الذي ترشح لجائزة البوكر عام 1981 عن رواية "الفندق الأبيض"، يفتقر بوضوح إلى الموهبة، أما الروائي والناقد البريطاني ديفيد لودج، الذي حاول توظيف أسلوب المحاكاة الأدبية الرائج في رواية "تغيير الأماكن" عام 1975، فرأى أنه لم يكن على مستوى هذا النوع من الكتابة.

وتناول الكتاب كذلك ما وصفه هينشر بالمبالغة في تقدير التجريب الروائي الذي ساد بين عامي 1960 و1980، موضحا أن كثيرا من الأساليب التي قدمت آنذاك باعتبارها تجديدا أدبيا لم تكن سوى إعادة استخدام لأفكار وتقنيات ظهرت في أعمال أقدم وبصورة أكثر نجاحا، ومن ذلك، على سبيل المثال، استخدام شخصيات رئيسية من دون أسماء، وهي تقنية سبق أن استخدمتها الكاتبة البريطانية فاني بيرني عام 1814، كذلك فإن تقديم الأحداث في صورة مشاهد وشذرات متفرقة، الذي عُد من أساليب التجريب الأدبي، ظهر من قبل في رواية الكاتب الساخر الإنجليزي إيفلين وو "الأجساد الحقيرة" عام 1930، أما أن يكشف الكاتب داخل الرواية عن عملية الكتابة نفسها أو يلفت انتباه القارئ إلى أنه يقرأ عملا روائيا، فله جذور أقدم تعود إلى أعمال هنري فيلدينج.

وتوقف هينشر عند عام 2000، ولم يحاول تقديم تقييم نقدي للروايات الأحدث من ذلك، موضحا أن إصدار أحكام نقدية راسخة على الأعمال المعاصرة يتطلب مرور وقت كافٍ يسمح بتقييمها في سياقها الأدبي والتاريخي، واختتم الكتاب عند الكاتبة البريطانية زادي سميث، مشيدا بقدرتها على التقاط تفاصيل الكلام والحوار، وأتى هذا التوقف عند عام 2000 باعتباره خيارا مقصودا أتاح للكتاب الحفاظ على مسافته النقدية، بدلا من التسرع في تقييم أعمال لا تزال قريبة زمنيا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك