بعد رحيله.. «الجارديان» تحتفي بالمؤرخ الإيطالي كارلو جينزبورج الذي منح المنسيين والمهمشيين صوتا في التاريخ - بوابة الشروق
الجمعة 26 يونيو 2026 4:09 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

بعد رحيله.. «الجارديان» تحتفي بالمؤرخ الإيطالي كارلو جينزبورج الذي منح المنسيين والمهمشيين صوتا في التاريخ

منى غنيم:
نشر في: الجمعة 26 يونيو 2026 - 2:13 م | آخر تحديث: الجمعة 26 يونيو 2026 - 2:13 م

توفي المؤرخ الإيطالي البارز كارلو جينزبورج، في 16 يونيو الجاري عن عمر ناهز 87 عامًا، وقد اشتهر بدراساته التي أعادت الاعتبار لحياة المهمشين والمنسيين عبر التاريخ، وفي افتتاحية نشرتها صحيفة "الجارديان" عقب وفاته، استعرضت الصحيفة أبرز ملامح إرثه الفكري، وأثره في الدراسات التاريخية، ورأت أن أفكاره لا تزال تحتفظ براهنيتها في مواجهة تصاعد النزعات السلطوية وإقصاء الفئات المهمشة.

في البداية، تناولت الصحيفة الإرث الفكري لـ "جينزبورج"، مشيرة إلى أنه استعاد، في حديثه عن نشأة أشهر مؤلفاته، كيف قاده التعمق في دراسة محاكمة طحّان من القرن السادس عشر أُحرق على يد محاكم التفتيش الرومانية إلى تحويل واقعة كان يمكن أن تظل مجرد هامش في كتاب تاريخ إلى عمل مستقل، وأضافت أن كتابه «الجبن والديدان» (The Cheese and the Worms)، الذي مرّ على صدوره 50 عامًا وتُرجم إلى العديد من لغات العالم، لا يزال يُعد من أبرز النماذج في البحث التاريخي المكرس لتوثيق حياة لمضطهدين والمغلوبين على أمرهم.

وأضافت الافتتاحية أن رحيل "جينزبورج" الأسبوع الماضي مثّل خسارة كبيرة لأحد آخر المؤرخين الذين جسّدوا الجيل الاستثنائي الذي برز بعد الحرب العالمية الثانية، وأوضحت أن كتاباته تميزت بالسعي إلى إعادة بناء تفاصيل حياة أشخاص اعتُبروا طويلًا خارج دائرة الاهتمام التاريخي، وهو منهج تقاطع مع المنهج الذي يكتب التاريخ من منظور عامة الناس الذي ارتبط بالمؤرخ البريطاني إي. بي. طومسون، ومع مدرسة "الحوليات" الفرنسية.

ورأت أن تصاعد النزعات السلطوية في القرن الحادي والعشرين، وما يصاحبه من ظهور موجات جديدة من المنبوذين وأكباش الفداء، منح أفكار أحد أبرز مؤرخي إيطاليا أهمية خاصة في وقتنا الراهن.

وأشارت الافتتاحية إلى أن "جينزبورج" أوضح في مقدمة كتاب «الجبن والديدان» أن المصادر التاريخية لا تقتصر على رسم صورة عامة للمجتمعات، بل قد تتيح أيضًا إعادة بناء حياة أشخاص بعينهم، معتبرًا أن تجاهل هذه الإمكانية أمر غير منطقي، وأضافت أنه انطلق من دراسة المحاكمتين اللتين خضع لهما دومينيكو سكانديلا، المعروف باسم "مينوكيو"، وهو طحّان من إحدى القرى الإيطالية عُرف بقدر غير مألوف من الثقافة والقدرة على القراءة، ليقدم ما وصفته بأنه عملية إنقاذ فكرية وثقافية.

ولفتت إلى أن هذه الدراسة أفضت إلى رسم صورة آسرة لأفكار "مينوكيو" المساواتية، التي عُدت في زمانه شديدة الخطورة، والتي تشكلت من مزيج من الثقافة الريفية والمعتقدات الوثنية، والسجلات الدينية، وكتاب «الديكاميرون» للأديب الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو، وأضافت أن نهايته كانت حتمية بعدما كشف، بتهور، أمام محققي محاكم التفتيش عن معتقداته القائمة على وحدة الوجود، وشبّه الملائكة بالديدان التي تخرج من الجبن المتعفن.

وأضافت الافتتاحية أن اعتماد "جينزبورج" على سجلات المحاكم في العصور الوسطى وعصر النهضة، ولا سيما تلك المتعلقة بالهراطقة والساحرات والشامان، ترك أثرًا واسعًا في الباحثين المتخصصين في تاريخ النساء والأقليات المضطهدة، إذ دفعهم إلى قراءة ما بين سطور الوثائق التي دوّنها أصحاب السلطة، كما أشارت إلى أن "جينزبورج" أعرب عن ارتياحه لأن أعماله لاقت ترحيبًا كبيرًا في مجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث خلّفت الإدارات الإمبراطورية أرشيفًا ضخمًا من الوثائق الرسمية.

وأضافت أنه وظّف، خلال تسعينيات القرن الماضي، منهجه القائم على التحقيق والاستقصاء للطعن علنًا في إدانة الناشط اليساري أدريانو سوفري، التي رأى أنها تفتقر إلى المصداقية، بعدما أُدين بإصدار أوامر باغتيال مفوض شرطة عام 1972 خلال ما عُرف في إيطاليا بـ "سنوات الرصاص".

وأوضحت الافتتاحية أن "جينزبورج" أدرك في سنواته الأخيرة أن انحيازه الدائم إلى ضحايا التاريخ لم يكن منفصلًا عن تجربته الشخصية وهويته؛ فخلال الاحتلال النازي لإيطاليا، تعرّض والده، ليوني جينزبورج، للتعذيب حتى الموت، بينما اضطر هو، وهو لا يزال طفلًا، إلى إخفاء هويته اليهودية والعيش متواريًا، وأضافت أنه كتب، في خاتمة أرفقها بطبعة الذكرى الخمسين لكتاب «الجبن والديدان» الصادرة هذا العام، أن الصلة بين تلك التجربة الشخصية واهتمامه بضحايا التاريخ ظلت كامنة في داخله سنوات طويلة دون أن يدركها بصورة كاملة.

واختتمت الافتتاحية بالإشارة إلى أن تلك الخاتمة، التي تُعد من آخر ما كتبه "جينزبورج"، لخّصت القيمة الحقيقية لإرثه الفكري، الذي لا يزال قادرًا على إلهام القراء للتأمل بصورة أعمق في أوضاع المهمشين والمنبوذين في عالم اليوم، واستعادت في هذا السياق قول "مينوكيو" أثناء استجوابه: "كان قلبي يتوق إلى عالم جديد".

وبيّنت أن "جينزبورج" رأى أن أوضاع العالم في عام 2026 تجعل هذه الكلمات، التي قيلت قبل ما يقرب من خمسة قرون، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ وكأن "مينوكيو" لا يزال بيننا، وما زال يخاطبنا، وخلصت الافتتاحية إلى أن الأمر نفسه سيظل ينطبق على أعمال "جينزبورج"، التي ستواصل مخاطبة الأجيال المقبلة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك