- المعرفة الطبية وحدها لا تكفي لإنقاذ الأمهات
- المرحلة المقبلة تتطلب تحويل الأدلة العلمية إلى رعاية تصل إلى كل امرأة في الوقت المناسب
طرح الدكتور عمرو حسن حسين، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة وعضو المجموعة الاستشارية الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بوفيات الأمهات وأسبابها، رؤية متكاملة لتعزيز الوقاية من الوفيات المرتبطة بتسمم الحمل، مؤكدًا أن التحدي العالمي لم يعد يقتصر على إنتاج المزيد من المعرفة الطبية، وإنما يمتد إلى ضمان ترجمة ما يعرفه الطب بالفعل إلى رعاية فعالة وفي التوقيت المناسب.
جاء ذلك خلال مشاركة حسن متحدثًا في سلسلة علمية دولية متخصصة في أبحاث تسمم الحمل، حيث قدم أمس الاثنين محاضرة بعنوان «سد الفجوة الأخيرة: لماذا لا تزال النساء يفقدن حياتهن بسبب تسمم الحمل في عصر الطب المبني على الدليل؟».
وتجمع السلسلة باحثين وأطباء ومتخصصين في تسمم الحمل واضطرابات ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل وصحة الأم وطب الأم والجنين، ضمن نقاش علمي دولي حول أحدث الاتجاهات في البحث والممارسة وتحسين نتائج صحة الأمهات.
الفجوة الأخيرة بين ما يعرفه الطب وما يصل إلى المريضة
وركز حسن، في محاضرته على مفهوم «الفجوة الأخيرة»، وهي المسافة بين توافر المعرفة العلمية والبروتوكولات الفعالة من ناحية، وقدرة النظم الصحية على تطبيقها بصورة موثوقة ومتسقة لكل امرأة من ناحية أخرى.
وأوضح أن العقود الماضية شهدت تقدمًا كبيرًا في فهم تسمم الحمل وعوامل الخطورة المرتبطة به، بجانب تطور وسائل الاكتشاف المبكر والعلاج والوقاية من المضاعفات؛ ما يجعل السؤال المطروح حاليًا أكثر ارتباطًا بكيفية تحويل هذه المعرفة إلى ممارسة يومية فعالة.
وأضاف: «لدينا اليوم قدر كبير من المعرفة حول تسمم الحمل، ولذلك فإن التحدي لم يعد فقط في معرفة ما ينبغي فعله، وإنما في ضمان حدوث التدخل الصحيح للمرأة الصحيحة وفي الوقت الصحيح».
وطرح خلال المحاضرة إطارًا متكاملًا يبدأ بالتنبؤ بالمخاطر، ثم الاكتشاف المبكر والعلاج، والتصعيد والإحالة عند الحاجة، ويمتد إلى المتابعة بعد الولادة والتعلم المستمر من حالات الوفاة والمضاعفات الشديدة.
وأكد أن تحسين نتائج صحة الأمهات يتطلب النظر إلى هذه المراحل باعتبارها سلسلة واحدة مترابطة؛ إذ إن قوة الرعاية لا تتحدد فقط بوجود بروتوكول علمي جيد، وإنما بمدى تطبيقه في كل نقطة من رحلة المرأة.
تغطية واسعة وفرصة للبناء على ما تحقق
واستعرض حسن، خلال المحاضرة بعض المؤشرات المصرية الحديثة، مشيرًا إلى أن مصر حققت مستويات مرتفعة في إتاحة خدمات رعاية الأمومة، حيث تشير أحدث البيانات التي تناولها العرض إلى أن 98% من الولادات تتم بحضور مقدم خدمة صحية.
وأكد أن اتساع نطاق الوصول إلى الخدمات يمثل قاعدة قوية للبناء عليها، ويفتح المجال أمام مرحلة أكثر تقدمًا تركز على تعظيم الاستفادة من كل نقطة اتصال بين الأم والمنظومة الصحية وتحسين جودة واستمرارية الرعاية.
وقال: «الوصول الواسع إلى خدمات رعاية الأمومة يمنحنا فرصة مهمة؛ فالمرحلة التالية هي أن تتحول كل زيارة وكل نقطة اتصال مع النظام الصحي إلى فرصة للاكتشاف المبكر والوقاية وتحسين النتائج».
وتأتي هذه المؤشرات ضمن المسح الصحي للأسرة المصرية 2025، الذي نفذه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع وزارة الصحة والسكان، لدعم التخطيط وصنع السياسات القائمة على الأدلة.
رعاية الأم لا تنتهي بولادة الطفل
ومن بين المحاور التي ركز عليها حسن ضرورة الاهتمام بالفترة التالية للولادة، خاصة بالنسبة للنساء اللاتي تعرضن لتسمم الحمل أو اضطرابات ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل.
وأكد أن التعامل مع الولادة باعتبارها نهاية رحلة المتابعة قد يؤدي إلى فقدان فرص مهمة للاكتشاف والتدخل، وأن حماية الأم تستلزم استمرارية الرعاية بعد مغادرة غرفة الولادة.
وقال: «ولادة الطفل لا تغلق ملف صحة الأم. المتابعة بعد الولادة جزء من الرعاية نفسها، وليست مرحلة منفصلة عنها».
وأشار إلى أن هذا المفهوم يمثل جزءًا من رؤية أوسع لصحة الأم تمتد من تقييم المخاطر أثناء الحمل وحتى المتابعة بعد الولادة.
كما دعا حسن، إلى تعزيز الاستفادة من بيانات وفيات الأمهات والمضاعفات الشديدة، ليس بهدف تسجيل الأرقام فقط، وإنما لاستخلاص الدروس التي يمكن أن تمنع تكرار الحالات التي يمكن تجنبها.
وواصل: «القيمة الحقيقية للبيانات تبدأ عندما نستخدمها لتغيير ما سيحدث للأم التالية، وراء كل رقم امرأة وأسرة، ومن واجبنا أن تتحول المعرفة التي نكتسبها من كل حالة إلى رعاية أفضل في المستقبل».
وأوضح أن الربط بين البحث العلمي والممارسة الإكلينيكية ونظم المعلومات الصحية ومراجعة حالات الوفيات والمضاعفات الشديدة يمكن أن يساعد في تحديد نقاط الضعف والفرص المتاحة لتحسين مسار الرعاية.
وأضاف أن التطور المقبل في صحة الأمهات قد لا يأتي فقط من اكتشاف دواء جديد، وإنما من بناء نظم أكثر قدرة على تقديم التدخلات التي أثبت العلم بالفعل أنها تنقذ الحياة، بصورة موثوقة ومستدامة.
خبرة مصرية في النقاش العالمي حول صحة الأمهات
ويشارك الدكتور عمرو حسن، حاليًا عضوًا في المجموعة الاستشارية الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بوفيات الأمهات وأسبابها، وشارك في مايو 2026 في اجتماعات المجموعة بمقر منظمة الصحة العالمية في جنيف.
ويجمع حسن، في مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من عشرين عامًا بين الممارسة الإكلينيكية والبحث العلمي والعمل الأكاديمي وملفات الصحة العامة والسكان والصحة الإنجابية وصحة الأمهات، مع اهتمام خاص بربط البيانات والأدلة العلمية بالممارسة والسياسات الصحية.
كما نشر عددًا من الأبحاث والتجارب الإكلينيكية والمراجعات العلمية في دوريات دولية محكمة، إلى جانب مشاركاته في عدد من المحافل العلمية والمهنية الدولية.
واختتم حسن، محاضرته بالتأكيد على أن الهدف النهائي للعلم يجب أن يظل مرتبطًا بالإنسان، قائلًا: «المعرفة العلمية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى حياة تُنقذ، والتحدي أمامنا الآن هو سد المسافة بين ما يعرفه الطب وما تحصل عليه كل امرأة بالفعل، بحيث تصل الرعاية الصحيحة في اللحظة التي يمكن أن تصنع فيها الفارق».