نولة التي لا تهزم أبدا - سيد محمود - بوابة الشروق
الأحد 21 أبريل 2024 5:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

نولة التي لا تهزم أبدا

نشر فى : الثلاثاء 2 أبريل 2024 - 7:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 2 أبريل 2024 - 7:30 م

أعادنى كتاب (وأجمل الذكريات ستأتى حتما) الذى كتبته الصديقة نولة درويش إلى أوقات ثمينة عرفت فيها والدها المحامى الوطنى الكبير يوسف درويش.
زرته للمرة الأولى فى العام 2005 لتدقيق بعض المعلومات التى كنت أحتاج إليها لإعداد ورقة عن العلاقات التى ربطت الناقد الأدبى الكبير الدكتور محمد مندور مع تنظيم شيوعى كان يوسف درويش من أبرز قياداته مع حلمى ياسين وريمون دويك والمفكر الراحل أحمد صادق سعد حيث تبادل أعضاء التنظيم الكتابة فى الصحف والمجلات الوفدية التى رأس مندور تحريرها فى توقيت حرج بعد انتفاضة الطلبة والعمال عام 1946.
توسط لى صديقى باسل رمسيس لإجراء المقابلة مع يوسف درويش وكان قريبا منه جدا، وأدركت بعدها أننى أمام كنز كبير واتفقت معه على العودة إليه كلما توفرت لديه الطاقة لإثراء تجربتى وكتابة تجربته فى حلقات صحفية، لكن الفكرة تراجعت بعد ظهورها بعدها بأيام فى إحدى الحلقات الأولى لبرنامج (العاشرة مساء) الذى كان يترأس تحريره الصديق الإعلامى البارز عمرو خفاجى وتقدمه الصديقة منى الشاذلى.
كانت الحلقة واحدة من أنجح الحلقات وقد تبلورت بعد إذاعتها فكرة تبناها المنتج الكبير محمد العدل وكان صديقا لدرويش وهى إعداد فيلم وثائقى حول تجربته واقترح درويش أن أتولى مهمة إعداد الفيلم كباحث رئيسى، كما تولى المخرج عمرو بيومى إخراجه، وفر الصديق محمد العدل لفيلمنا كل أسباب النجاح لكن الفيلم تعثر لأسباب مختلفة.
كانت الأيام التى جمعتنا معه جميلة وأثمرت عن صداقة امتدت لعدة شهور إلى أن توفى فى 2006.
بعدها بفترة بدأ الصديق الصحفى الكبير وائل عبدالفتاح إجراء عدة مقابلات مهمة مع درويش نشرها فى صحيفة الفجر لكن ما أتذكره جيدا أن نولة درويش كانت متحمسة بشدة لإبراز الدور الوطنى لوالدها على نحو يتجاوز الجانب الشخصى، كما كانت ترغب بالأساس فى حفظ أدوار من تقاطعوا معه فى مسيرته النضالية داخل صفوف اليسار.
تعلمت كثيرا من يوسف درويش الذى كان وقتها قد تجاوز عامه التسعين، لكنه ظل شديد الانضباط يحب الدقة واحترام المواعيد وامتلك رغم عمره المديد طاقة جبارة على العمل، فقد كان يترجم فى نفس الفترة كتابا هو كتاب (يهود وادى النيل) لـ جاك حسون عالم النفس المصرى الذى كتب عنه إبراهيم أصلان مقالا بديعا فى كتابه (خلوة الغلبان) ويعود الاسم للقرية التى ينتمى إليها حسون وقد صدر الكتاب بعدها عن دار الشروق.
لم يفرط الراحل فى ورقة تخص تاريخه، يدون فى محاضر يكتبها بلغة قانونية كل اللقاءات التى تجمعه بالناس وكانت وصيته لى قبل أن يرحل أن أساعد فى نقل أرشيفه ومكتبته إلى مكتبة الإسكندرية وقد تمكنت من ذلك بالفعل بدعم من نولة التى تشير مذكراتها إلى معنى أن تولد فى بيت عائلة ذات أصول يهودية.
وتقول إن والدها وأمها اختارا الانحياز للفقراء، كما أنهما قررا باختيارهما اعتناق الإسلام قبل زواجهما بفترة وجيزة، أى عام 1947 على الرغم من أنهما لم يكونا بصفة خاصة من شديدى التدين، لكنهما اقتنعا أن هذا الإجراء سيسهل التعامل معهما فى ظل التوجس العام المتنامى تجاه اليهود بعد إعلان دولة إسرائيل فى 1948.
ولدت نولة بعدها بعام فى غياب والدها الذى كان معتقلا فى نوفمبر من العام 1948، كما عاشت طفولتها بعيدة عنه، لأنه كان يقضى عقوبة الحبس لمدة ثلاث سنوات بسبب الانتماء إلى مجموعة شيوعية.
كما تلقت تعليما مدنيا داخل مدرسة فرنسية فى وقت لم تكن الانتماءات الدينية مطروحة على هذا النوع من التعليم، كما عاشت بين أفراد عائلتها وكانوا مزيجا مختلطا من هويات وجنسيات وأعراقا مختلفة لذلك عاشوا يؤمنون بالحق فى الاختلاف، ويرفضون جميع صور التمييز بين البشر.
تقدم المذكرات وصفا بديعا لأجواء الطفولة التى عاشتها فى بيت عائلة أمها بالإسكندرية، وهو بقدر ما تظهر الطابع التعددى للمدينة إلا أنها لا تتوقف كذلك عن الإشارة لما افتقدته المدينة فى واقعها المعاصر بعد أن خسرت الكثير من الحدائق والمتنزهات التى ترصدها المذكرات، وهو أمر يتكرر فى إشاراتها لما عاشته فى مدينة حلوان التى خسرت جمالها وتحولت إلى بؤرة عشوائية.
تنتمى المذكرات إلى المادة التى يضعها المؤرخون فى إطار مدرسة (التاريخ من أسفل)، فهى مكتوبة من حيز شخصى لكنه يتسع ليشمل الفضاء العام، فحين تصور الشهور الأولى لظهور جمال عبدالناصر بعد يوليو 1952 وتنقل من خلال أمها كيف أنه كان مستاء من موقف الشيوعيين تجاه ثورة الضباط، واضعا جميع الفصائل الشيوعية على تباينها فى سلة واحدة تساعد بما تحكيه فى فهم تعقد علاقة الزعيم مع اليسار.
وبالمثل تنقل صورة للأجواء الثقافية التى كانت تعرفها مصر آنذاك بفضل المشاركة الواسعة للأجانب، وتضع أمامنا العديد من المشاهد التى تشير إلى ما فقدته مصر من مناخ حيوى وتعددى.
لم تكن أيام نولة وردية أبدا فهى تكشف ما عانته أمها فى ترددها المستمر على السجون بحثا عن زوجها الذى ظل يمارس فنون الاختفاء خوفا من ملاحقته أمنيا نتيجة استمرار نشاطه السياسى، وتتحدث كذلك عن الأثر النفسى الذى تأصل داخلها بعد أن امتلأت بالكثير من المخاوف قبل أن تصبح بعدها بسنوات امرأة شجاعة قادرة على النضال فى اختبارات كثيرة خاضتها وآخرها اختبار المرض، لكن عنوان كتابها الذى يفيض بالتفاؤل يؤكد أنها امرأة لا تُهزم أبدا.