مصر وحماس.. مراجعات عند الجذور - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الجمعة 23 يوليه 2021 5:37 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فصل حلا شيحة من نقابة المهن التمثيلية بعد تصريحاتها عن فيلم مش أنا؟

مصر وحماس.. مراجعات عند الجذور

نشر فى : الأربعاء 2 يونيو 2021 - 7:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 يونيو 2021 - 7:25 م

فى اجتماع مطول امتد لوقت متأخر من الليل ضم نائب الرئيس السورى «فاروق الشرع» إلى عدد محدود من القيادات الفلسطينية بدا الطلب ملحا أن تبادر دمشق باحتضان مؤتمر للمصالحة بين الفصائل المتنازعة وإنهاء الخصومة بين حركتى «فتح» و«حماس».
كان ذلك بأعقاب الانقسام الفلسطينى المروع عام (2007).
اعترض «الشرع» على الفكرة من أساسها، وكان تقديره أن «هذه ورقة مصرية».. وأن أى أدوار أخرى محكوم عليها بالفشل إن لم تكن مصر طرفا رئيسيا فيها.
هذه حقيقة سياسية واستراتيجية شبه مستقرة لدى كل الأطراف الإقليمية والدولية والنهوض بمسئوليتها ضرورة أمن قومى.
إذا أردنا أن نمضى قدما للأمام لما هو أكبر من تثبيت الهدنة بين إسرائيل وفصائل المقاومة وإعمار غزة، فإننا بحاجة حقيقية لمراجعات عند الجذور تعيد للقضية الفلسطينية طبيعتها كقضية تحرر وطنى لشعب رازح تحت الاحتلال.
فى أية مراجعات جدية فإن «اتفاقية أوسلو» جذر الانقسام الفلسطينى.
لم يكن يخطر ببال قيادات «حماس» أن تحصد أغلبية مقاعد المجلس التشريعى، التى أجريت انتخاباتها وفق استحقاقات «أوسلو».
عندما باغتتها النتائج لم تتردد لحظة واحدة فى الدخول إلى معترك السلطة، أو أن تقبل سلطة بنيت على أساس تعارضه جوهريا.
كان ذلك مأزق «حماس»، الذى ذهبت إليه باختيارها.
فى كلام سمعته من «خالد مشعل» رئيس المكتب السياسى لحركة «حماس» بذلك الوقت فإن «السلطة فكرتها خاطئة، ووجودها قفز على مراحل الصراع مع إسرائيل، وأن «عرفات» قد تعجل، لكنها الآن أمر واقع لم يعد من الممكن تجاوزها، أو إلغاؤها إلا بتوافق وطنى كامل.. وهذا مستحيل».
كان تقدير مفكرين فلسطينيين أن «حماس» أخطأت فى قبول السلطة، غير أن الخروج منها، أو حل السلطة نفسها قد يزكى انقلابا عسكريا يقوم بها رجال إسرائيل فى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
هكذا جرى الانقسام فى الأراضى الفلسطينية المحتلة بالحسم العسكرى على ما تقول «حماس»، أو الانقلاب العسكرى بتوصيف «فتح».
تمدد الانقسام بآثاره وتداعياته إلى صلب القضية الفلسطينية وشرعية المقاومة نفسها.
لم يسبق فى التاريخ السياسى الحديث أن تولت حركة تحرير السلطة قبل أن تحرر أراضيها، وتعرف حدودها، وتنشئ قواعد سيادتها الكاملة عليها، أو على جزء منها كنقطة انطلاق لاستكمال مهمتها فى تحرير بقية الأراضى المحتلة.
صُممت «أوسلو» على نحو يسمح للاحتلال بالبقاء بأقل التكاليف السياسية.
اعتقد «عرفات» أن بوسعه أن يحسن شروط اللعبة عند وضع أقدامه على أرض السلطة.
سمح بنوع من الزواج السرى بين السلطة والمقاومة، غير أن إسرائيل حاصرته، واخترقت صفوف رجاله، واغتالته بسم فى النهاية، دون أن يجرؤ أحد من أنصاره على طلب تحقيق دولى فى الاغتيال!
الأفدح أن إسرائيل مزقت الاتفاقيات التى وقعتها. توسعت فى بناء المستوطنات، وبنت جدارا عنصريا يمزق الأرض ويحيل ما تبقى من فلسطين التاريخية إلى أشلاء، ومع ذلك أخذ الفرقاء الفلسطينيون يتصارعون على أشلاء وطن وأطلال سلطة بالقتل خارج القانون وعلى الهوية السياسية.
استثمرت إسرائيل فى الانقسام للمضى قدما فى مشروعها الاستيطانى على ما تبقى من أراض فلسطينية.
فى البداية أيد نظام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» – بلا تحفظ واحد – السلطة الفلسطينية برئاسة «محمود عباس» وسحب البعثة الأمنية من غزة، بما يعنى أن مصر قررت القطيعة مع «حماس»، اندفاعا لحسابات جديدة، واعترافا ضمنيا بفشل المهمة الأمنية، التى كان من أبجدياتها الحفاظ على قدر من التوازن بين القوتين الرئيسيتين: «حماس» و«فتح».
ثم برزت تقديرات تحذر من القطيعة، فـ«حماس» قوة رئيسية عسكرية واجتماعية فى غزة، والحديث عن تصفيتها بعمليات عسكرية إسرائيلية، أو بالخنق تحت وطأة الحصار، يمكن أن تؤدى إلى أخطار حقيقية على مصر وأمنها، أو أن تتحول غزة على الحدود إلى موضع قدم لجماعات عنف مثل «القاعدة».
على أساس تلك التقديرات وافق «مبارك» على فتح قنوات حوار مع قيادات «حماس».
كانت هناك ثلاثة اقتراحات فيما يتعلق بالغطاء السياسى للمفاوضات المقترحة بين رئيسى «فتح» و«حماس» «محمود عباس» و«خالد مشعل».
الأول ــ أن تعقد فى الجامعة العربية وبرعايتها.
والثانى ــ أن تعقد برعاية مصرية – سعودية مشتركة.
والثالث ــ أن تعقد ــ كما جرت العادة فى مرات سابقة – برعاية الاستخبارات المصرية.
مال التصور العام لقيادة «حماس» إلى الموافقة على الاعتراف – مجددا – بولاية الرئاسة الفلسطينية على غزة بجوار الضفة، والدعوة إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس احترافية ووطنية وفق اقتراحات أمنية مصرية سابقة. بل إن «حماس» وافقت ــ من حيث المبدأ العام ــ على قبول فكرة حكومة وحدة وطنية جديدة لا تقتصر ــ هذه المرة ــ على محاصصة مقاعدها بين «فتح» و«حماس» بدخول فصائل أخرى إليها مثل «الجبهة الشعبية» و«الجهاد».
الكلام نفسه يتكرر الآن، إذا لم تتوافر إرادة الوحدة السياسية الفلسطينية فإن الفشل محتم.
فى تجربة الماضى لم تتمسك الرئاسة المصرية، بخطتها للململة الانقسام بأقل خسائر ممكنة، ولا كانت هناك جدية فى الاتصالات، وكان أقصى ما طلبته رفض فرض الوصاية الدولية على غزة، أو إرسال قوات دولية لها.
كان ما جرى عند معبر رفح الحدودى كاشفا بحوادثه وتفاعلاته وتداعياته لعمق أزمة الثقة بالشد والجذب بين نظام الحكم فى مصر وحركة «حماس» فى غزة.
فى (22) يناير (2008) زحف آلاف الفلسطينيين إلى المعبر الحدودى، أطلقت قوات الأمن المصرية طلقات رصاص فى الهواء، وجرت اتصالات عبر القنوات الأمنية المفتوحة بين الدولة المصرية وحركة «حماس» أدت إلى تحرك سريع لـ«القوة التنفيذية« التابعة لـ«حماس» لمحاصرة الزاحفين ودفعهم ــ مرة أخرى ــ إلى داخل القطاع.
بعد ساعات قليلة، وعند الفجر، فجر مسلحون فلسطينيون أسوار المعبر، فيما دخلته على الفور مئات الفلسطينيين، وبدا القرار المصرى بعدم الاشتباك اضطراريا، فقوات الأمن المصرية على الحدود لا تتعدى الـ(750) جنديا، وليس بوسعها إيقاف الزحف.
فيما بعد تحول «الموقف الاضطرارى» الذى اتخذه «مبارك» إلى «حكمة!»، أو أنه هو الذى سمح بمرور الفلسطينيين عبر المعبر، إذ «إن مصر ترفض تجويع الفلسطينيين».
غير أن دواعى الحكمة المعلنة تحولت إلى نقيضها فى التغطيات الصحفية والإعلامية نالت من الفلسطينيين، الذين توعدهم وزير الخارجية فى ذلك الوقت «أحمد أبو الغيط» بـ«قطع أرجلهم» إذا ما فكروا – مرة أخرى – فى اختراق الحدود المصرية، حتى لو كان ذلك طلبا لطعام ودواء.
بثت تلك التصريحات من وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، ثم خففت صياغتها فيما بعد فى أحد البرامج السياسية على التليفزيون المصرى.
فى تناقض ما هو معلن من رئاسة الدولة وما هو صادر عن وزير خارجيتها ظهرت على السطح شروخ حقيقية فى مفهوم الأمن القومى وطبيعة العلاقات المفترضة على الحدود مع قطاع غزة وتأكدت معضلة حماس فى حسابات الأمن القومى المصرى.
الأمن القومى ليس اختراعا، فهو من مسئوليات الدولة، وهو لا يناقش بالقطعة، كأن تلخصه فى الحدود، ثم تلخص الحدود فى معبر «رفح» قبل أن تتقبل اقتراحا إسرائيليا بمضاعفة قواتك عند هذا المعبر بالذات، ولا يتجاوزه إلى سواه، ضمانا لأمنها، وتعتبر ذلك كله إنجازا وسيادة وأمنا قوميا!
ضبط الحدود من أولويات الأمن القومى، لكنه لا يلخصه.
لم يكن نظام الحكم مؤهلا لتوظيف الحوادث التى جرت لاقتناص أية فرص لاحت، أهمها: رفع يد إسرائيل عن المعبر المصرى – الفلسطينى، والبروتوكول الذى يحكمه لم تكن مصر طرفا فيها.
كان ذلك داعيا لتهديد جدى فى الأمن القومى، فكيف يتسنى لدولة محورية مثل مصر، ألا تكون طرفا مباشرا فى أية ترتيبات على حدودها.
باليقين هناك أخطاء متراكمة فادحة على الجانبين.
تورط نظام «مبارك» فى توفير غطاء عربى للعدوان على غزة وإحكام الحصار عليها، كان ذلك انتقاصا من الدور المصرى واحترامه فى إقليمه.
بالمقابل تورطت «حماس» بالانحياز الأيديولوجى والسياسى لجماعة «الإخوان المسلمين» فى أتون «يناير» (2011) وأثناء (30) يونيو (2013)، وكان ذلك داعيا لانتقاص فادح من شعبيتها كحركة مقاومة فى بلد دأب مواطنوه على دعم القضية الفلسطينية كقضية إجماع مصرى.
فيما بعد تحللت «حماس» من أية وثائق تنسبها إلى الجماعة دون أن تغادر المشهد آثار جروح استقرت فى الذاكرة العامة، ذلك يستدعى مقاربات أخرى تستبين معها ضرورات دعم العلاقات لتخفيف وطأة الحصار على غزة ونصرة القضية الفلسطينية، كما تكثيف التعاون الأمنى ضد جماعات العنف والإرهاب التى تنشط فى سيناء، وهو ما يحصل فعلا.
فى آخر اجتماع لقادة الفصائل الفلسطينية بالقاهرة بدا مستلفتا تغير البيئة العامة وقدر الاستجابات المصرية لما يقترحونه من أفكار وتصورات وطلبات كفتح «معبر رفح».
بصورة فورية استجيب لطلب فتح المعبر، دون إرجاء لوقت لاحق، كما كان يجرى سابقا، على ما استمعت فى المساء نفسه إلى أمين عام «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بالنيابة «أبو أحمد فؤاد».
أسست تلك الاستجابة لروح جديدة فى العلاقات بين السلطات المصرية والفصائل الفلسطينية تجلت فى نجاح وساطة التهدئة وضخ دماء جديدة فى مشروع المصالحة الفلسطينية، غير أن الطريق ما يزال فى أوله، وشد الخيط إلى آخره يحتاج إلى مراجعات ضرورية عند الجذور.