ماذا يعنى تقنين مراكز الدروس الخصوصية؟ - محمد علاء عبد المنعم - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 يناير 2023 6:22 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستزور معرض الكتاب هذا العام؟

ماذا يعنى تقنين مراكز الدروس الخصوصية؟

نشر فى : الأربعاء 2 نوفمبر 2022 - 8:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 نوفمبر 2022 - 8:40 م

أثار طرح الدكتور رضا حجازى، وزير التعليم، بشأن تقنين «سناتر» أو مراكز الدروس الخصوصية الكثير من النقاش العام، رفضه البعض باعتباره إعلان تخلى الدولة عن مسئوليتها فى ملف التعليم، وقدمته وزارة التعليم باعتباره سعيا جديا لتحسين الأوضاع القائمة عن طريق وضع نظام يضمن الاستفادة من هذه المراكز فى تحسين العملية التعليمية وحماية الطلاب من ممارساتها غير المسئولة.
أرى أن هذا الطرح له ما يبرره، لكن لن يتجاوز أثره، إن طُبق، أثر قانون تنظيم مهنة السايس.
• • •
يرى توجه فى حقل السياسات العامة أن تقنين وتنظيم سلعة أو نشاط ما، حتى وإن كانت غير مشروعة، أفضل من استمرار تجريمها.
يرى المؤيدون لهذا المبدأ أن التجريم قد ينتج عنه تبعات تعقد المشكلة الأصلية، على سبيل المثال، فى الفترة بين عامى 1920 و1933، أقر التعديل الثامن عشر للدستور الأمريكى تجريم تصنيع وبيع ونقل الخمور، إلا أن هذا التجريم لم يوقف الطلب على الخمور فى الولايات المتحدة، الأمر الذى نتج عنه ظهور سوق سوداء للخمور وعصابات منظمة لحماية هذه السوق، أبرزها عصابة آل كابون الشهيرة، وبعد أكثر من عقد من الزمان، تم إلغاء هذا التعديل، واقتنع صانعو القرار الأمريكيون أن التقنين والتنظيم أفضل فى حالتهم من المنع.
من هنا يمكن القول إن وزير التعليم ينظر إلى الدروس الخصوصية باعتبارها سوقا سوداء للتعليم تحتاج إلى تنظيم.
هذه النظرة أصابت فى جوانب، وجانبها الصواب فى جوانب أخرى.
أصابت رؤية الوزير فيما عكسته من إدراك لواقع مرير استشرى فى مراكز الدروس الخصوصية، وصار يتحدى سلطة الدولة ذاتها، وهو بدوره انعكاس لواقع أعم وأكثر مرارة.
فى إطار بحث نَشَرتُه فى دورية علمية متخصصة فى التعليم، قُمت بمناقشة طلاب السنة الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حول رؤيتهم للدروس الخصوصية خلال فترة دراستهم الثانوية، وهالنى ما سمعت.
لقد أصبحت هذه «السناتر» بِنى مشوهة بلا رقيب ولا حسيب، وغير قادرة على إنتاج مواطن أو مجتمع سوى.
أخبرنى عدد من الطلاب أن بعض المدرسين يفصل الطلاب الأقل دخلا عن الطلاب الأعلى دخلا، حيث يطلب المدرس صراحة من طلاب المدارس الحكومية أن يحضروا حصصه فى «سناتر» محددة (فى مناطق أقل دخلا)، بينما يقصر الحضور فى «سناتر» ضواحى القاهرة الأعلى دخلا، مثل التجمع والسادس من أكتوبر، على طلاب المدارس الخاصة والدولية، لدرجة أن طالبا يدرس مع مدرس فى سنتر بمنطقة الهرم، على سبيل المثال، ربما لا يجد فرصة لتعويض حصة فاتته مع ذات المدرس فى «سنتر» آخر بالتجمع أو أكتوبر حيث مستويات الدخل الأعلى.
أى واقع مؤلم يمثله هذا النهج؟ وكيف لشباب تربى على هذا الفصل الطبقى أن يتمكن من العمل السياسى التنافسى الحر وقبول الاختلاف والتنوع؟ وكيف له أن يقف صفا واحدا فى مواجهة خطر خارجى؟
ذكر لى أحد الطلاب أن الشرطة أغلقت «السنتر» الذى كان يدرس به، إلا أن أحد المدرسين تواصل مع الطلاب لطمأنتهم، وأكد لهم أن الحكومة لن تستطيع اتخاذ إجراء ذى شأن ضده، حتى أنه قال لهم بغرور: «كل اللى ليهم عندى هو 30 ألف جنيه ضرائب، ييجوا ياخدوهم على ......»!!.
سمعت الكثير غير هذا من خلال حواراتى مع الشباب الجامعى بحكم عملى فى جامعة القاهرة، توجد حالات تحرش لفظى ومعنوى من قبل معاونى المدرسين وأحيانا من المدرسين أنفسهم، ويستخدم المدرسون، خاصة «المدرسين المشهورين»، أو من تطلق عليهم بعض الدراسات «المدرسين النجوم»، أساليب مختلفة لامتصاص الأموال من الأهالى عن طريق ملازم مراجعة وإجابات نموذجية وملخصات، إلخ.
الأخطر أن عددا من الطلاب أخبرنى أن تعريف المدرس المشهور، أو النجم، يرتبط بقدرته على التنبؤ بأسئلة الامتحان النهائى، .
باختصار، يعتقد بعض الطلاب بوجود فساد ما يسمح لعدد من المدرسين المشهورين بمعرفة أسئلة الامتحان النهائى. لا أتحدث هنا عن نشطاء سياسيين أو أشخاص يغلبهم الحماس الثورى، بل عن شباب فى الثامنة عشرة من أعمارهم، اهتزت ثقتهم بالدولة بسبب هذه «السناتر» المشوهة.
لذا لا أختلف مع الوزير فى أن هذا الوضع المشوه يحتاج إلى رقابة وتنظيم.
• • •
لكن منطق وزير التعليم تعتريه مشكلات، تظهر فى المسكوت عنه أكثر مما تظهر فيما قاله.
أولا، ينظر الوزير إلى الدروس الخصوصية باعتبارها سوقا تحتاج إلى تقنين، مثل غيرها من الأسواق التى يطالب البعض بتقنينها وتنظيمها، أو التى تم تقنينها بالفعل، مثل تقنين سوق الانبعاثات الكربونية لحماية البيئة، أو تقنين أسواق الماريجوانا فى عدد من الولايات الأمريكية وعدة دول أوروبية حماية للمجتمع والمستهلكين، مع الفارق بالطبع.
بصرف النظر عن رفض أو قبول منطق التقنين، فإن سوق الدروس الخصوصية فى مصر، وغيرها من البلاد حول العالم، ليست سوقا سوداء، فهى أسواق قائمة بالفعل، وهى علنية وتنافسية، فرضها تدنى مستويات التعليم الحكومى والتنافس بين الطلاب فى امتحانات مفصلية وعلى رأسها امتحان الثانوية العامة.
هى علنية حتى وإن كانت رسميا غير قانونية. وهى تنافسية لأن المدرسين يتنافسون على الطلاب فى إطار من شفافية المعلومات من خلال ما يتناقله الطلاب وأولياء الأمور حول جودة المدرسين وقدرتهم على تأهيل الطلاب للامتحان.
إن الدروس الخصوصية تعمل فى سوق موازية للتعليم الرسمى، وليست سوقا سوداء تعمل فى الخفاء، أى أن الحكومة ليست فى حاجة لإنشاء سوق للدروس الخصوصية، فالسوق قائم بالفعل وله آليات عمل مستقرة، وهو ما يفرض تحديات خاصة.
مارك براى، أحد أهم الباحثين فى موضوع الدروس الخصوصية حول العالم، بما فيها دول الشرق الأوسط التى أصدر عنها كتابه الأخير منذ بضعة أشهر، يستخدم مصطلح تعليم الظل shadow education لوصف الدروس الخصوصية، ومن خصائص «تعليم الظل» أنه قادر على مجاراة التعليم الرسمى «كظله» فى جميع توجهاته، فمثلا إذا تغيرت المناهج فى التعليم الرسمى، يكون تعليم الظل قادرا على تقديم المناهج الجديدة للطلاب، وإذا تغير نمط الامتحان إلى البابل شييت، على سبيل المثال، يكون تعليم الظل قادرا هو الآخر على التدريس بما يتناسب مع متطلبات النظام الجديد.
ماذا يعنى هذا للمهتمين بإصلاح التعليم؟
يعنى أولا أنه لا غنى عن إصلاح المدارس وتدريب المعلمين، ومن هنا فقد أصاب الوزير حين ذكر أن «السناتر» لن تكون بديلا عن المدارس.
كما أصاب لأن «السناتر» ذاتها ظاهرة حضرية، تتركز بالأساس فى المدن الكبرى، ويظل اعتماد الطلاب من خارج القاهرة والإسكندرية وغيرها على مدرسى المدارس ومجموعات التقوية أو الدروس الخصوصية محدودة العدد فى منزل المدرس أو أحد الطلاب.
لكننا لم نسمع من الوزير خطة متماسكة لإعادة المدرسة لسابق دورها، كما لم نسمع خطة متماسكة لاستعادة الثقة فى وزارة التعليم وتأكيد مبادئ العدالة ومكافحة الفساد. كما لم نسمع عن رؤية متكاملة لإصلاح منظومة التقييم والمناهج بالتوازى مع ضجة تقنين «السناتر».
إن تنفيذ خطة تقنين «السناتر» مسئولية عدة جهات غير وزارة التربية والتعليم، ومنها وزارتى الداخلية والتنمية المحلية، حيث سيقع عليهما جزء من عبء متابعة هذه المراكز. فهل قام الوزير بالتنسيق مع هذه الجهات قبل تقديم مقترحه؟ وهل عرضه للنقاش مع أصحاب المصالح مثل أولياء الأمور وشركات الخدمات التعليمية التى تعاملت وتتعامل معها وزارة التعليم، خاصة منذ عهد سلفه الدكتور طارق شوقى؟
إن الكثير من الدول تضع معايير للجهات التى تقدم دروسا خصوصية، وشروطا للسماح للمدرسين بتقديم هذه الدروس، وفى دول الجوار الجغرافى، توجد نماذج لتنظيم مراكز الدروس الخصوصية فى السعودية والأردن والإمارات ولبنان، ولكن يبقى تحدى التطبيق قائما خاصة فيما يتعلق بالحدود القصوى للأسعار وأعداد الطلاب فى الحصة.
أخيرا، إن الرقابة على سوق تنافسية مثل سوق «السناتر» قد يفتح الأبواب لمواجهات بين المدرسين الذين يحميهم الطلب الضخم من طلاب لا يجدون بديلا عنهم للنجاح، وبين الجهات الرقابية. وقد تضر هذه المواجهات مركز الوزارة أكثر مما تنفعها، كما قد تفتح الرقابة الحكومية على «السناتر» أبوابا للفساد من خلال ما تطلق عليه أدبيات السياسات العامة «السيطرة على المُراقِب» regulatory capture، وهو ما يحدث عندما يتحول الجهاز الرقابى إلى مستفيد من الجهة التى يراقبها.
• • •
كنت أتمنى أن يستثمر الدكتور رضا حجازى زخم الأشهر الأولى فى منصبه لطرح تصور متكامل عن نظرته لإصلاح نظام التعليم، ودور القطاعين العام والخاص، وكذلك القطاع الأهلى، فى إصلاح المنظومة، مع إمكانية إدراج «سناتر» الدروس الخصوصية كإحدى قضايا الإصلاح فى إطار تعريف دور الدولة فى منظومة التعليم وعلاقتها بالأطراف الأخرى الفاعلة فيها.
ولكن طرح الوزير الذى يركز على قضية واحدة دون توضيح أهميتها فى نظرته الشاملة لإصلاح التعليم دفع البعض لاعتبار أن الهدف يقتصر على تحصيل ضرائب من هذه السناتر، ولا أعتقد أن هذا هو الهدف الوحيد للوزير، ولكن إذا لم تُطرح هذه القضية فى إطار تصور أشمل، وبالتنسيق مع الجهات المطلوب منها لعب دور فى ضبط هذه «السناتر»، ربما ينتهى الأمر إلى ما يقرب من قانون تنظيم مهنة السايس، وهى المهنة التى أخذت شكلا رسميا، دون أن نعرف شيئا عن دواخل تنظيمها.

عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

 

محمد علاء عبد المنعم عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
التعليقات