من يحدد مصيرنا السياسى فى ٢٠١٥؟ - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 29 مارس 2020 12:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

من يحدد مصيرنا السياسى فى ٢٠١٥؟

نشر فى : الأحد 4 يناير 2015 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأحد 4 يناير 2015 - 8:42 ص

لا تعترف السياسة سوى بالفاعلين السياسيين القادرين على التأثير على الفعل السياسى سواء عبر تشكيل وعى الجماهير وحشدهم لصالح أجندة سياسية أو اقتصادية معدة سلفا لتخدم المصالح الأيديولوجية والمادية لهؤلاء الفاعلين، أو من خلال التأثير على عملية صنع القرار داخل أروقة السلطة إما عبر التحالف معها أو الضغط عليها من خلال أطر مؤسسية وقانونية أو من خلال معارضتها واستخدام أساليب دستورية أو غير دستورية لتعطيل الفعل السياسى للسلطة.

بهذا المعنى السابق فإن تحديد مصير مصر السياسى فى ٢٠١٥ لن يكون بالضرورة عبر الفاعل الأكثر نقاء أو الأجدر على طرح المظلوميات والترويج لها ولكنه سيكون الأكثر تنظيما ومرونة والأجدر على قراءة الواقع وامتلاك أدوات التأثير على الفعل السياسى بالمعنيين الإيجابى والسلبى على النحو المشروح أعلاه. ووفقا لذلك فإن الفاعلين المؤهلين حتى اللحظة للتأثير على مصير مصر السياسى خلال العام الجديد هم (بحسب ترتيب درجة التأثير وفقا لوجهة نظر الكاتب):

أولا: المؤسسة العسكرية: وهى أهم المؤسسات القادرة على التأثير على المصير السياسى لمصر خلال العام الجديد، صحيح أنها رسميا غير منخرطة فى الشأن السياسى، ولكنها فعليا تملك (كما امتلكت فى كل اللحظات المحورية من تاريخ الجمهورية) التأثير على مصير الفاعلين السياسيين إذا ما قررت فى أى لحظة أن وحدة البلاد تتعرض لخطر، لما تمتلكه من مصالح مجتمعية واقتصادية ولما اكتسبته من شرعية شعبية منذ ٢٠١١ جعلتها تملك فى النهاية اليد الطولى لتحديد متى وكيف تتدخل لتغير هيكل السلطة وترتيباتها، وما تمتلكه أيضا من مكتسبات دستورية تأسست فى دستور ٢٠١٢ ثم بشكل أكبر فى ٢٠١٤، جعلتها تتمتع باستقلال عضوى عن مؤسسة الرئاسة والقضاء والبرلمان، أى إنها وبشكل عملى أصبحت سلطة رابعة فى مصر تضاف إلى السلطات الثلاث التقليدية وفقا للترتيبات الدستورية الأخيرة. وإذا ما أضفنا فى النهاية أن الفاعلين المدنيين على اختلاف انتماءاتهم مازالوا بعيدين عن إحداث تغيير حقيقى فى معادلة السلطة، نستطيع أن نفهم لماذا ستتمتع المؤسسة العسكرية بالتأثير الأهم فى تحديد مصير مصر فى عام ٢٠١٥.

ثانيا: الأجهزة الأمنية والسيادية: والمقصود تحديدا أجهزة المخابرات الحربية والعامة والأمن الوطنى، وبغض النظر أن المتاح من معلومات حول طبيعة العلاقة بين هذه الأجهزة وما إذا كانت تتصرف بشكل يعكس تحالفا أو صراعا بينها يظل قليل، إلا أنها تظل الأجدر والأكثر قدرة على تحديد المصير السياسى لمصر سواء بالسلب أو الإيجاب لما تمتلكه من موقع محورى فى عملية صنع السياسة واختيار النخبة المقربة من السلطة، وبما تمتلكه من معلومات وأدوات مباشرة وغير مباشرة للتهديد أو المكافأة، فضلا عن إنها الأجهزة الأبعد عن الرقابة المؤسسية أو الدستورية لأسباب محورية ومعقدة.

•••

ثالثا: مؤسسة القضاء: وهى ثالث أهم مؤسسة أتوقع أن تؤثر على المصير السياسى لمصر خلال عام ٢٠١٥ فالقضاء المصرى تمكن هو الآخر بجانب المؤسسة العسكرية من تحقيق استقلال كبير عن أى نوع من الرقابة أو التوازن مع المؤسسات التنفيذية والتشريعية، وقد أثبتت الأحداث السابقة واللاحقة على ثورة يناير أن القضاء يستطيع أن يلعب دورا كبيرا فى تحديد مصير السياسة بالشقين الإيجابى والسلبى لهذا المصير. ولأن القضاء يملك أيضا المحكمة الدستورية العليا، تلك المؤسسة التى أثبتت الأحداث السياسية إنها تستطيع قلب المعادلات فى أية لحظة ولأن أحد رجال هذه المؤسسة قد شغل منصب الرئيس المؤقت فى فترة دقيقة حتى وإن بدى أن منصبه رمزيا، لكن بكل تأكيد أصبح القضاء بمؤسساته ولاعبيه منخرط بقوة فى تحديد الخريطة السياسية لمصر وسيستمر فى لعب هذا الدور خلال عام ٢٠١٥ أيضا.

رابعا: مؤسسة الرئاسة: وقد يتعجب البعض من وضع تلك المؤسسة الهامة فى المرتبة الرابعة للتأثير، وفى تقديرى أن المؤسسة وعلى رأسها رئيس الجمهورية والدائرة الضيقة للغاية من مساعدية العسكريين أثبتوا فى ٢٠١٤ أنهم فاعل مهم فى التأثير لكنهم ليسوا الأهم لكونهم فى النهاية حاصل تسوية التفاعل بين معادلات القوى والتوازنات والصراعات بين أجهزة الدولة السياسية ومؤسساتها القوية. فمعظم التشريعات والقرارات التى خرجت عن رئاسة الجمهورية منذ المستشار عدلى منصور وحتى اللحظة أثبتت أنها تعبر عن توازنات ومصالح الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية ومؤسسة القضاء، وأن قلة فقط من تلك القرارات والتشريعات يمكن أن تعبر عن المؤسسة فى حد ذاتها أو عن رؤية قائدها، ولأن قائد المؤسسة مصمم على الاكتفاء بدائرة مستشارين من خلفيات عسكرية وأمنية دون عقل سياسى واحد، ولأنه بلا ظهير سياسى واضح، ولأنه بلا برنامج محدد الملامح والخطوات، فستظل المؤسسة وقائدها فى ٢٠١٥ معبرة عن تلك التوازنات الدقيقة بين اللاعبين الآخرين ومن غير المتوقع أن تلعب مساحة أكبر من ذلك ما لم يحدث تغير جذرى فى طريقة قيادتها.

•••

خامسا: البرلمان: فرغم أن مصير هذا البرلمان مازال غامضا، فإن البرلمان بكل سيناريوهاته المتوقعة بدءا من غيابه أو تغيبه لمصالح ضيقة أو انتخابه وتفتته وإعاقته، بسبب هذا التشرذم، لعمل مؤسسة الرئاسة وغيرها من مؤسسات الدولة انتهاء بحله بقرار رئاسى أو قضائى، أو حتى تحوله إلى مجرد أداة فى يد الرئيس أو غيره من المؤسسات القوية الأخرى، وصولا إلى السيناريو الأكثر تفاؤلا والقائل بتحوله إلى ساحة حقيقية للتشريع عبر توازنات بين قوى سياسية وحزبية جديدة يتم خلقها بداخله، يظل اللاعب الخامس الأبرز فى ٢٠١٥ وقد يحدد مصير كل اللاعبين الآخرين.

سادسا الإعلام: يلعب الإعلام أخيرا دورا مهما فى ٢٠١٥ فى تحديد مصير الوطن، ولكن سيظل هذا الدور (فى مجمله) مجرد تعبير عن مصالح ورؤى الأجهزة المختلفة وإن كانت مجموعة الإعلاميين الشباب الذين أثبتوا فى ٢٠١٤ قدرا معتبرا من المهنية قادرين على صنع اتجاه جديد من الإعلام أعتقد أنه سيمكنهم بقدر ما من التأثير على مجريات الأمور خلال العام الجديد.

•••

بالإضافة إلى الفاعلين السابقين يوجد عدد آخر من الفاعلين من المتوقع أن يكون لهم دورا فى تحديد سير الأمور خلال العام الحالى، منهم الجهاز البيروقراطى للدولة بشقيه (الإدارة العليا الممثلة فى وكلاء الوزراء ورؤساء القطاعات على مستوى الدواوين المركزية ومديريات المحافظات، والأجهزة التنفيذية على مستوى المحافظات والمدن والقرى والأحياء)، هذا طبعا فضلا عن أن الفاعلين الإقليميين وخاصة فى دول الخليج سيظل لهم دورا كبيرا فى تحديد مصير التفاعلات الداخلية فى مصر عن طريق أداوات المساعدات الاقتصادية والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة والدعم السياسى والوساطة مع الأطراف الأسيوية والأوروبية لدعم الملف المصرى سياسيا واقتصاديا، كما أن أى تغير فى معادلة الاستقرار السياسى الداخلى لأى من هذه الدول ولا سيما فى المملكة العربية السعودية، أو أى تغيير فى معادلة الصراع الفسلطينى الإسرائيلى أو فى المعادلة الأمريكية الإيرانية أو غيرها من المعادلات الأمنية فى سوريا والعراق على هامش مصير تنظيم داعش الإرهابى من المتوقع أن يُحدِث تأثيرات كبيرة أيضا على الأوضاع الداخلية فى مصر.

لا تبدو الموشرات الأولية فى ٢٠١٥ لصالح قوى التغير سواء بشقه الإصلاحى أو الثورى، كما لا تبدو الأمور فى طريقها إلى الاستقرار السياسى أو الاقتصادى المنشود، لن تكون ٢٠١٥ هى سنة الحسم، ولكنها ستشهد وبشكل أكثر تفصيلا ووضوحا تسديد الفواتير المؤجلة منذ ٢٠١٥ بين هؤلاء الفاعلين جميعا، وقد تشهد تغيرات مشابهة لتلك الحادثة فى ٢٠١١ أو ٢٠١٣.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر