لماذا مدائن العقاد؟! (2) - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 11:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


لماذا مدائن العقاد؟! (2)

نشر فى : الأربعاء 4 ديسمبر 2019 - 11:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 ديسمبر 2019 - 11:10 م

شف الأستاذ العقاد من بداياته الأولى عن موهبة فذة، تجلت فى أول أعماله «خلاصة اليومية» التى صدرت عام 1911، ولحق بها «الإنسان الثانى ـ أو المرأة» عام 1912، وألحق بخلاصة اليومية: (الشذود) سنة 1915، وضمهما من بعد مجلـد واحـد، إلى «مجمع الأحياء» الذى نشره عام 1916وهو لمّا يزل فى السابعة والعشرين، وأعيد طبعه فى يناير 1920، ثم صدرت الطبعة الثالثة فى أكتوبر 1944 إبّان الحرب العالمية الثانية، وكانت الطبعة الثانية قد صدرت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وجملة رسالته فى هذا الكتاب الباكر، أنه لا يزال يعتقد بعد الحـرب كمـا كان يعتقد قبلها «أن الغيرة على الحق هى روح الإنسانية أو هى مظهر أنانيتها وحب البقاء فيها»، محذرا من أنه إذا رضيت الإنسانية لأمة أن تستنزف موارد الأمم الأخرى بغير حق، فإن ذلك نذير بانحلالها، وبضعف «الوطنية» فى الأمة، وضعف «الحيوية» فى الفرد، وكلاهما نذير فناء!
وقد شفت مجموعة «الفصول» عام 1922، عن كتابات العقاد منذ عام 1913 حتى ظهور الفصول ــ شفت عن عبقرية العقاد المبكرة.
كتب فى الفصول عن «سر تطور الأمم» للعالم الفرنسى الكبير الدكتور جوستاف لوبون، ومن أشهر آثاره الأخرى «الحضارة المصرية» و«حضارة العرب وحضارة الهند» و«الحضارة العربية فى الأندلس». الفكرة الرئيسية التى يدور عليها تطور الأمم، أن «لكل أمة روحا تسير أعمالها»، وأن هذه الروح هى التى تكيف أطوار الأمة وتشكل ملامحها ويعزى إليها كل حركة من حركاتها.
ويحسب للعقاد أنه تفطن للحملة المنكرة أيامها على المساواة بزعم الاعتراض على الاشتراكية، كذلك كان يقظا لما تدعو إليه نظرية «روح الأمم» من دعوة عنصرية تميز بين الأمم بمقولة اختلاف القدرات العقلية لتبرير السيطرة والهيمنة، فحمل عليها العقاد منتصرا لحق الشعوب فى المساواة والحرية وتكافؤ الفرص.
وعرج من جوستاف لوبون وتطور الأمم، إلى ما كتبه ماكس نوردو عن «التأخر والاضمحلال» والذى عاد للكتابة عنه إثر وفاته فى يناير 1923، فضلا عما ضمته الفصول من مقالات ضربت فى كل باب، فى إحاطة وعمق.
وكانت المجموعة الثانية، التى شملها المجلد الأول لمدينة العقاد: «مطالعات فى الكتب والحياة»، صدرت عام 1924، وتثبت حقيقتين جديرتين بالالتفات:
الأولى: أن العقاد ظل منغمسا حتى النخاع فى الحركة الوطنية، فأخذت نحو 90% من مقالاته المنشورة، فقد نشر له ما بين 31/12/1921 ـ حتى 31/12/1924 
(362) مقالا. وجميع هذه المقالات عن الحركة الوطنية وما يتصل بها، فيما عدا نحو 11 %، فى مجالات الأدب والفكر والنقد والفلسفة.
والثانية: أن العقاد كان متفطنا وحريصا على عدم الخلط بين السياسة وبين الأدب فى مؤلفاته، فلم يتخير للنشر فى مجموعة «مطالعات فى الكتب والحياة» سوى المقالات الأدبية والفكرية والنقدية. وهو ذات ما التزمه فى اختيار مجموعة «الفصول».
وبرغم انخراط العقاد فى الحركة الوطنية، وما تحقق له فيها من أمجاد حتى أُطْلِقَ عليه «كاتب الشعب الأول» ـ لم يخلط ما كتبه حول الحركة الوطنية والسياسة، بإنتاجه الأدبى والفكرى والنقدى.
ونرى الأستاذ العقاد ينظر إلى الحياة نظرة فنية، قاصدا إيضاح أن الحياة نفسها «عمل فنى» تحكمه الأصول التى تحكم بيت الشعر ولحن الموسيقى وصورة المصور. فالحياة قد خرجت فى جملتها وتفصيلها من يد الفن الإلهى حاملة فكرتها الباطنة وتمثيلها الظاهر.
إن الكون كله والحياة ــ وهى أعم فى نظره ــ وكذا الفن ومناظر الأرض والسماء ــ كل أولئك مظهر للتآلف أو للتنازع بين الحرية والضرورة، أو بين الجمال والمنفعة، أو بين الروح والمادة، أو بين أفراح الفن وأوزانه: قوى مطلقة وقوانين تحكم هذه القوى المطلقة، تأتلف فيها القوانين فى السمة الفنية والنظام الجميل الذى يبين بالمادة ــ صفاء الروح ويسبر أغوار الحرية، وأن هذا الائتلاف هو دستور الفن الإلهى المحيط بكل شىء، وهو فلسفة الفلسفات فى هذا الوجود.
وهكذا، ينبغى أن نفهم ضرورات الحياة وقوانينها على هذا المعنى، فما هذه وتلك إلاَّ القالب المصبوب فيه صياغة الحياة وحيزها فى هذا الوجود، ولتسلم من العدم المطلق الذى تصير بها الفوضى إليه.
وقوام الأمرين فى نظر العقاد، أن نجعل من القانون حرية، ومن القيود حلية، ومن الثورة نظاما (لا فوضى)، ومن الواجب شوقا وفرحا، ومن الهيولى عالما مقسما وفلكا دائرا.
الجمال كأنه هو غاية الحياة القصوى التى هى أسمى من جميع ما تسعى إليه أو تناله الأغراض والمنافع. ولكن ما الجمال؟ إنه الحرية ــ كما بيَّن العقاد فى مقاله بالكتاب عن «فلسفة الجمال والحب». ونحن لا نجد الجمال ولا نوجده إلاَّ إذا ألَّفنا بين القيود والحرية، ونحن نستطيع بقدر هذا «التأليف» أن نزن بالميزان الصحيح وزن الأمم والأفراد والحضارات والآراء والفنون. فكلما استقام وحَسُنَ هذا «التأليف» بين أفراح الحياة وأوزانها، بين معناها وصورتها، كانت أقرب إلى النبالة والصدق، لأنها أقرب إلى القصد الإلهى ووجهة الكون البادية فى جميع أجزائه.
الصواب عند العقاد، أن العالم كله «قوى» من طبيعة الروح التى نتصورها، وأن الفرق بين الظاهر والباطن ما هو إلاَّ فى طريقة الإدراك واستعداد الحواس.
وللناقد الكبير الدكتور جابر عصفور، تعقيب بكتابه «من أعلام التنوير» على اعتناق العقاد فى مسعاه التنويرى لقيمة «الجمال والحرية»، وكيف شكلت هاتان القيمتان «حجر
 الزاوية» فى إبداع العقاد وفى فكره على السواء. وسواء جرى الحديث عن كتاباته السياسية أو الاجتماعية أو الفلسفية أو الأدبية أو الفنية، نجد الجمال هو الوجه الآخر للحرية فى هذه الكتابات، والعكس. الجمال هو النظام عند العقاد، والاتساق الذى يقع بين العناصر ويصل بينها على نحو يؤلف الانسجام فى المشاعر والعقول، ويستجيب فى ذات الوقت لما بين هذه وتلك من انسجام يحكمه قانون ثابت فى حياة الطبيعة والأحياء ومنتجات الفن على السواء.
يقرن العقاد هذا الجمال بالتناسب والتناسق والانسجام والتناغم، ولا يترك هذه العناصر دون تحديدها، ويخص التناسب بين الأبعاد والأحجام والأشكال والألوان باهتمام خاص، ولكنه ليس غاية فى ذاته، فالمهم ما ينطوى عليه من إرادة مضمرة، وما يدل عليه من دلالة ومغزى. التناسب هو الإرادة التى تتحقق شكلا، والغاية التى تتناغم عنصرا، والاختيار الذى يتحقق حضورا وحركة، إنه الشكل الجميل الذى يقترن بالحياة ويعمل على تجددها اقترانه بالحرية.
تقترن هذه الصفات ـ التناسب والتناسق والانسجام والتناغم ـ عند العقاد، بعنصر آخر يتآلف وإياها فى تحقيق الجمال، ويقصد به الدكتور عصفور «الحيوية»، والتى تعنى «الحركة المتدفقة» بين العناصر والأجزاء التى تحفظ للاستجابة الجمالية نشاطها وتوترها الدائم. فإذا كان الجمال قرين الحركة التى تتناغم بها العناصر، فإن الوحدة تنطوى على معنى التنوع بدورها، وتستمد أهميتها من التباين الذى تنطوى عليه عناصرها.
وهذا البعد الخاص بالتنوع، يكشف عن المعنى الخاص الذى تكتسبه الحرية عند 
العقاد، ولعل البيتين اللذين جاءا فى قصيدة «مرثية رجل عظيم» لصلاح عبدالصبور، يعبران عن هذا المعنى أصدق تعبير. قال عبدالصبور:
كان يريد أن يرى الجمال فى النظام
وأن يرى النظام فى الفوضى
والواقع أن هذين البيتين يلخصان فلسفة العقاد، وما تقوم عليه من وسطية تجمع بين قيد القانون وانطلاقة الروح. واعتبر الدكتور جابر، أن «المطالعات فى الكتب والحياة» هو كتاب العقاد «التأسيسى»، فينوه إلى أن العقاد أراد أن يجعل من القانون حرية، ومن الثورة نظاما، لا فوضى، ومن الواجب شوقا وفرحا، ومن الهيولى عالما مقسما وفلكا دائرا. وإذا كان بعض أعلام عصره كتوفيق الحكيم وطه حسين قد التفتوا إلى التوفيق بين الثنائيات المتوترة دائما، كالتعادلية عند الحكيم والمواءمة بين الثوابت والمتغيرات عند طه حسين، إلاَّ أن العقاد انفرد عن هؤلاء جميعا بوضع هذه الصيغة فى تصور فلسفى متماسك سداه الحرية ولحمته الجمال، فرد الجمال إلى الحرية، ورد الحرية إلى التوازن بين الثابت والمتغير، الفرد والجماعة، القانون والضرورة، الأنا والآخر، وجعل من الحياة فيما أبدى الدكتور عصفور لوحة غنية الأبعاد فى توترها بين قواعد العقل وعفوية الجمال. وهى لوحة نحن فى أمس الحاجة إلى التذكير بها لمواجهة الأخطار التى تتهدد الجمال والحرية على السواء.

‏Email:rattia2@hotmail.com
‏www.ragai2009.com

التعليقات