ساءنى، كأحد أبناء جامعة القاهرة، أن أقرأ مقالًا بعنوان: «قبل إعلان وفاة الجامعات الحكومية»، يبدأ الحديث من جامعة القاهرة، بما يوحى للقارئ أن أعرق جامعة مصرية وعربية أصبحت نموذجًا لجامعة تتجه نحو الأفول والانهيار بسبب تراجع الاهتمام الحكومى!!
ولأن جامعة القاهرة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، وإنما رمز من رموز الدولة المصرية الحديثة، وواجهة لقوتها الناعمة، وصاحبة الريادة فى التعليم العالى والبحث العلمى لأكثر من مائة عام، فإن مناقشة ما ورد بالمقال تصبح واجبًا يفرضه الإنصاف، لا الدفاع. فالنقد حق، بل هو ضرورة، لكن الإنصاف يقتضى أن تُعرض الصورة كاملة، لا أن تُنتقى منها بعض المشاهد ويُبنى عليها حكم عام.
لقد بدأ صاحب المقال حديثه بمواءمة البرامج الدراسية مع احتياجات سوق العمل، ثم انتقل إلى الكلاب الضالة، ثم إلى مستشفيات قصر العينى، ثم إلى كلية طب الأسنان، ثم نادى أعضاء هيئة التدريس، لينتهى إلى نتيجة مفادها تراجع الاهتمام الحكومى وأن الجامعات الحكومية تتجه إلى إعلان وفاتها، بينما الجامعات الأهلية تمثل الأمل الجديد فى تطوير التعليم العالى، وكأن هناك تعارضًا بين الاثنين، أو أن نجاح أحدهما لا يتحقق إلا على حساب الآخر.
• • •
هنا تكمن أولى الإشكاليات. فالجامعات الأهلية لم تُنشأ لتكون بديلًا عن الجامعات الحكومية، وإنما لتكون رافدًا لها، وجميعها تعمل تحت مظلة استراتيجية وطنية واحدة أطلقتها الدولة المصرية فى مارس 2023، وهى الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالى والبحث العلمى، التى أعادت صياغة منظومة التعليم العالى بالكامل، وربطتها باحتياجات التنمية وسوق العمل والاقتصاد الوطنى.
ومن يراجع هذه الاستراتيجية سيدرك أن الجامعات الحكومية كانت فى مقدمة المؤسسات المنفذة لها، سواء من خلال مراجعة البرامج الدراسية، أو عقد الشراكات الدولية، أو دعم الابتكار وريادة الأعمال، أو التوسع فى التحول الرقمى، أو ربط البحث العلمى بالصناعة.
كما أغفل المقال ما شهدته السنوات الأخيرة من تطور تشريعى غير مسبوق، أتاح للجامعات بموجب القانون رقم ٢٣ لسنة ٢٠١٨ إنشاء الشركات والحاضنات التكنولوجية وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من مخرجات البحث العلمى. واليوم تمتلك الجامعات الحكومية شركات ناجحة بدأت تحقق نتائج ملموسة، ومن بينها شركة جامعة القاهرة لإدارة واستثمار الأصول المعنوية، التى تمثل نموذجًا لتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واستثمار حقوق الملكية الفكرية لخدمة الجامعة والباحثين.
أما الحديث عن الذكاء الاصطناعى باعتباره المجال الذى ستقوده الجامعات الأهلية مستقبلًا، فالمقال يغفل حقيقة يعرفها المتخصصون؛ وهى أن جامعة القاهرة كانت أول جامعة فى مصر وأفريقيا والشرق الأوسط تطلق استراتيجية جامعية متكاملة للذكاء الاصطناعى، وكان ذلك فى أكتوبر سنة ٢٠٢٤، وقد قامت هذه الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية، وهى: التعليم وإنتاج المعرفة، والبحث العلمى والابتكار وريادة الأعمال، ودعم اتخاذ القرار وتنمية القدرات الإدارية، وتعزيز الوعى المجتمعى. ولم تكتف الجامعة بإعلان الاستراتيجية، بل جعلت الذكاء الاصطناعى متطلبًا جامعيًا للتخرج، وأدرجته ضمن برامج تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس، وأطلقت مؤتمرها الدولى السنوى للذكاء الاصطناعى، وأصدرت سياسات ودلائل للاستخدام المسئول للذكاء الاصطناعى فى التعليم والبحث العلمى.
فالريادة فى هذا المجال لم تبدأ خارج الجامعات الحكومية، وإنما خرجت من قلبها.
واستشهد المقال بفعالية جامعة القاهرة الخاصة بمواءمة البرامج الدراسية، ثم ربطها بتراجع الجامعات الحكومية. ولو راجع التسلسل الزمنى للأحداث، لوجد أن وزارة التعليم العالى والبحث العلمى كانت قد أعلنت قبل ذلك مراجعة جميع البرامج الدراسية فى مختلف الجامعات المصرية، الحكومية والأهلية والخاصة والدولية، تنفيذًا للاستراتيجية الوطنية، ثم تحركت الجامعات لتنفيذ هذه الرؤية، وكانت جامعة القاهرة من أوائل الجامعات التى عقدت ملتقى وطنيًا لمواءمة مخرجاتها مع احتياجات سوق العمل.
أما الحديث عن مستشفيات قصر العينى، فقد جاء وكأنها منشآت متروكة لمصيرها، بينما الحقيقة أن قصر العينى يواصل أداء رسالته باعتباره أكبر صرح طبى وتعليمى فى المنطقة، ويشهد أعمال تطوير ورفع كفاءة بصورة مستمرة، مع افتتاح وحدات جديدة وتحديث أقسامه المختلفة. كما أن الدولة تولى مشروع تطوير قصر العينى اهتمامًا بالغًا، وهو ما تجسد فى اهتمام ومتابعة القيادة السياسية لخطة التطوير، وتوفير مخصصات مالية كبيرة لتطوير عدد من مبانيه، وقد انطلقت فعلا خطوات تطوير مبنى (25)، ضمن خطة أشمل تستهدف إعادة تأهيل هذا الصرح التاريخى مع اقتراب مئويته الثانية فى عام 2027.
ولا خلاف على أن بعض المبانى التاريخية تحتاج إلى تطوير، لكن الفرق كبير بين الاعتراف بالحاجة إلى التطوير، وبين تصوير الأمر وكأن المؤسسة على وشك الانهيار.
وفيما يتعلق بكلية طب الأسنان (وفق مسماها المعتمد من جامعة القاهرة)، فقد أغفل المقال أن الكلية حصلت هذا العام على الاعتماد من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، وهو اعتماد لا يُمنح إلا بعد التأكد من استيفاء معايير الجودة المؤسسية والأكاديمية. كما أن أعمال استكمال وتطوير المبنى التاريخى تتم وفق خطة مرحلية بالتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع، مع نقل جزء من الدراسة إلى فرع الشيخ زايد لضمان استمرار العملية التعليمية دون توقف، خصوصا وأنه المبنى الوحيد المتاح لأغراض التعليم بالكلية.
أما الإشارة إلى وجود الكلاب الضالة بالمدينة الجامعية، فهى تعالج مشكلة عامة تعانى منها مناطق عديدة فى مصر، وليست ظاهرة تخص جامعة القاهرة وحدها. ومع ذلك، لم تقف الجامعة موقف المتفرج، بل أسهمت كلية الطب البيطرى بدور علمى ومجتمعى فى تنفيذ برامج لتعقيم الكلاب ورعايتها وفق المعايير العلمية والإنسانية، بما يحقق التوازن بين حماية الطلاب واحترام حقوق الحيوان.
كما تناول المقال مصير نادى أعضاء هيئة التدريس، دون الإشارة إلى أن الأرض التى كان يقام عليها النادى دخلت ضمن المشروع القومى لتوسعة وتطوير مستشفيات قصر العينى، وهو مشروع يخدم ملايين المرضى بالمجان، وفى المقابل خصصت الدولة قطعة أرض بديلة مماثلة على كورنيش النيل بشارع عبد العزيز آل سعود لإقامة نادٍ جديد، بما يحفظ حقوق أعضاء هيئة التدريس ولا ينتقص منها.
• • •
كذلك لا خلاف على أن زيادة الإنفاق على البحث العلمى هدف وطنى تتبناه الدولة والجامعات معًا، إلا أن تصوير المشهد باعتباره «خنقًا ماليًا وإداريًا» يتجاهل ما تحقق من توسع كبير فى المشروعات البحثية، وزيادة النشر العلمى الدولى، وإنشاء مراكز بحثية جديدة، والتوسع فى الشراكات الدولية، وتحسن مؤشرات الابتكار، وهو ما لم يكن ليتحقق فى ظل بيئة عاجزة عن دعم البحث العلمى.
كما تعمل الجامعة بصورة مستمرة على تبسيط الإجراءات الإدارية، مع الالتزام بالضوابط القانونية المنظمة للعمل الجامعى، تحقيقًا للتوازن بين الحرية الأكاديمية ومتطلبات الحوكمة.
ولا يجب أن ننسى ــ أو نتجاهل ــ دور جامعة القاهرة العصرى فى تثقيف طلابها وفق متطلب المرحلة، ورؤى المستقبل من خلال أجندة العمل الثقافى المتدفق عبر الندوات الثقافية، والصالونات الأدبية، والمسابقات البحثية، والحوارات الفكرية التى لا تكاد تخلو منها قاعة الاحتفالات الكبرى، أو قاعة أحمد لطفى السيد، أو مركز المؤتمرات بالمدينة الجامعية.
كما يظل من حقنا ومن واجبنا فى الوقت ذاته التنويه بالدور الريادى الملموح للجامعة الأم فى إعداد متطلب جامع لأول مرة حول التفكير النقدى، وتنمية الأسس والمهارات النقدية لدى الطلاب، وإعلاء القدرة على حل المشكلات فى ظل حرية التفكير، والتسلح بالحجج والأدلة والبراهين فى مواجهة التفكير الأسطورى والخرافى، وفوضى العشوائية والاستظهار والحفظ والتلقين إلى الانطلاق من أعمال العقل فى التحليل والمساءلة والمراجعة فى ظل مفاهيم التعددية والتنوع والنقد البناء.
وكذا أعدت جامعة القاهرة متطلب ريادة الأعمال وبادرت بإعداد متطلب القضايا الاجتماعية حول تطوير الوعى المجتمعى والأثرى والبيئى والسياحى، وكذا متطلب الذكاء الاصطناعى، إلى جانب أمور كثيرة يصعب نشرها فى مقال، ويصح الإطلاع عليها فيما صدر من إنجازات جامعة القاهرة بشكل سنوى حتى لا يكون الكلام مرسلاً بلا مرجعيات موثقة من مصادر علمية دقيقة ومحققة على النحو الذى نعلمه لطلاب الدراسات العليا فى مرحلتى الماجستير والدكتوراه من أسس منهجية البحث العلمى الذى يتطلب الدقة والحياد والموضوعية، وهو ما ينسحب بدوره على الدقة فى نشر المقال فى أى من المجالات الأدبية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإنسانية على حد سواء.
كما تظل كلمة حق لا يقصد من ورائها إلا الحق حول تعميق ثقافة الاعتراف بدور الدولة المصرية فى تعليم أبنائها وتثقيفهم بما يتسق مع الرؤى المستقبلية فى ظل المعادلة الصعبة بين الإتاحة والجودة.
• • •
إن جامعة القاهرة لا تدعى أنها بلا تحديات، فكل مؤسسة عريقة تواجه تحدياتها، لكن الفارق أن هذه الجامعة تواجهها بخطط تطوير، وباعتمادات أكاديمية، وبإنجازات بحثية، وبشراكات دولية، وبمراكز متقدمة فى التصنيفات العالمية، وبمشروعات تطوير لمستشفياتها ومنشآتها، وباستراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعى والابتكار وريادة الأعمال.
ومن هنا، فإن الحديث عن «إعلان وفاة الجامعات الحكومية» من بوابة جامعة القاهرة لا ينسجم مع الواقع، ولا مع الأرقام، ولا مع ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الأخيرة.
تبقى جامعة القاهرة، كما كانت دائمًا، الجامعة الأم، وصاحبة الريادة، وأحد أهم رموز الدولة المصرية وقوتها الناعمة. ومن حقها علينا أن ننتقدها حين تخطئ، لكن من واجبنا أيضًا أن ننصفها، وأن نروى قصتها كاملة، لا أن نختزلها فى مشاهد جزئية أو انطباعات عابرة.
فالإنصاف، قبل أى شىء، هو أساس النقد المسئول.
نائب رئيس جامعة القاهرة الأسبق