أصابع مجرية تعبث بأساس الجدار - سور برلين وأنا (٩) - حسام السكرى - بوابة الشروق
السبت 15 أغسطس 2020 10:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

أصابع مجرية تعبث بأساس الجدار - سور برلين وأنا (٩)

نشر فى : السبت 7 ديسمبر 2019 - 11:15 م | آخر تحديث : السبت 7 ديسمبر 2019 - 11:15 م

"عفوا سيدي. اسمك ليس موجودا على قائمة الركاب".
لم أصدق ما سمعته من المضيفة الأرضية وأنا على وشك العودة لبرلين عبر مطار بودابست، التي وصلتها في الأسبوع الثالث من شهر أكتوبر عام ١٩٨٩.

كانت أوربا الشرقية كلها تتغير في ظلال سياسات جلازنوست وبريسترويكا (الانفتاح والإصلاح) التي قادها الزعيم السوفييتي جورباتشوف منذ توليه مقاليد السلطة في ١٩٨٥.

عندما وصلت المجر في منتصف أكتوبر كانت الحشود تسد الشوارع المحيطة بمبنى البرلمان. عشرات الآلاف رفعوا أعلاما "مفرغة" بعد أن قطعوا من مركزها رموز الشيوعية التي كانت جزءا من العلم: المطرقة والمنجل والنجمة الحمراء. كان البرلمان قد أقر للتو قانونا يسمح بالتعددية الحزبية ويقر مبدأ الانتخاب المباشر للرئيس منهيا بذلك سلطة الحزب الشيوعي ومؤذنا بتحول المجر الى جمهورية فقط بدون كلمة "شعبية" التي ميزت اشتراكيات الشرق. أرخت موسكو قبضتها وخرجت دولة أخرى من فلكها.

كم كنت محظوظا. مع هذه الرحلة تتبعت انهيار السور الذي بدأ من المجر. صحيح أن ألمانيا الشرقية كانت تغلي بالمظاهرات السلمية، إلا أن العد التنازلي للانهيار بدأ مع قرار المجر بفتح حدودها مع النمسا في شهر مايو. أزيلت الأسلاك الشائكة والمكهربة، ليسهل على المجريين العبور والتسوق من المدن المجاورة، فتدفق آلاف الألمان الشرقيين على العاصمة المجرية للعبور إلى النمسا. لم يسمح لهم فاعتصموا حول سفارة ألمانيا الغربية في بودابست مطالبين بوثائق سفر ليدخلوا الغرب كألمان غربيين وهو ما لم يكن ممكنا من الناحية الإجرائية، رغم اتفاقه مع مواد الدستور الألماني الغربي الذي أقر هذا في حال تمكن المواطن الشرقي من العبور بوسيلة ما وليس قبلها.

آلاف غيرهم نصبوا معسكراتهم على الحدود النمساوية، انتظارا لفرصة. وعندما أقيم حدث ترفيهي كبير للمجريين والنمساويين على الحدود تحت اسم "نزهة أوروبية"، ورغم تهديد الشرطة المجرية بإطلاق النار على أي أجنبي يحاول عبور الحدود المفتوحة دون أوراق، قام نحو تسعمئة ألماني شرقي بالعبور ودخلوا إلى النمسا.

بعدها بأيام قتل أحد الألمان الشرقيين بالرصاص على الحدود فتوتر الوضع واعتصم مزيد من الشرقيين حول سفارة ألمانيا الغربية. تضخمت أعدادهم هناك وأصبحت المشكلة إحراجا للشرق والغرب على السواء. حشود من العائلات تقيم ليل نهار في كرافانات وخيام وسيارات ومراكز إيواء مؤقتة، أملا في فرج لم يطل انتظارهم له. في الحادي عشر من سبتمبر فتحت المجر الحدود بشكل كامل مع النمسا.

في أيام معدودات نزفت ألمانيا الشرقية نحو أربعين ألف من خيرة أطبائها ومهندسيها ومدرسيها، عبروا إلى النمسا ومنها إلى ألمانيا الغربية، فيما انطلقت أرتال من السيارات عبر تشيكوسلوفاكيا إلى المجر، وبدأت العاصمة برلين ترتعد من انهيار الوشيك. بني السور في الأساس خوفا من هذا السيناريو بحذافيره. لكن الأسوار مهما ارتفعت لا تحمي الديكتاتورية.

في شوارع بودابست التقيت كثيرين من ألمان الشرق، لازلت أذكر يوهان العشريني الهاديء. عرف نفسه بأنه "عامل بسيط" ثم أجابني قائلا: "أنا مؤمن بالاشتراكية. أوقن أن الرأسمالية لا تجلب إلا الوبال على الشعوب. لا يجذبني بريق الغرب ولا أحلام الثراء والترف أو البضائع الاستهلاكية. في بلدي كل ما أطمح إليه من خبرات وتعليم ورعاية صحية. افتقد شيئا واحدا. شيئا واحدا فقط. اسمه الحرية".

انتهت أيامي في بودابست فتوجهت للمطار لأواصل الرحلة إلى برلين. لسبب غامض، اختفى اسمي من قائمة المسافرين. وبعد قليل من الصراخ الغاضب والاستعطاف الحنون، تمكنت المضيفة الحسناء من العثور على مقعد شاغر. رحلة قصيرة كنت بعدها في مطار شونفلد في برلين. توجهت إلى مسكني في شارع شليزيشه شتراسه، حيث يعبر السور عند إحدى نقاط التماس مع الشرق. وجدت مفاجأة في انتظاري فسرت ما حدث معي في المطار. ولكن.. ليس تماما.
(يتبع)

التعليقات