كيف صبأ مايكل مور؟ - هديل غنيم - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 8:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


كيف صبأ مايكل مور؟

نشر فى : الجمعة 8 مايو 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 9 مايو 2020 - 12:48 ص

لا يوجد جدل حول مكانة المخرج الأمريكى مايكل مور كأحد أهم مخرجى الأفلام التسجيلية فى العالم. فقد حصلت أفلامه على نجاح تجارى وجماهيرى لم تحققه أفلام تسجيلية من قبله، ولا تنقصه الجوائز النقدية أيضا، إذ فاز بكل من السعفة الذهبية لمهرجان كان عن فيلم «فهرنهايت ٩/١١» وأوسكار الأكاديمية الأمريكية عن «بولنج فى كولومبين». أما الصفة الثانية المعروف بها مايكل مور فهى كونه ناشطا سياسيا من أشهر الأصوات التقدمية فى الولايات المتحدة. وفى دورة الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان مايكل مور من أوائل من دعموا حملة برنى ساندرز الديمقراطية المعروفة بمواقفها التقدمية فى قضايا الاقتصاد والصحة والبيئة. ولذلك تسبب الفيلم التسجيلى «كوكب البشر» الذى أنتجه مور مؤخرا فى صدمة، ثم عاصفة من الجدل، منذ أن طرحه للعرض المجانى على يوتيوب يوم ٢٢ إبريل ولمدة شهر بمناسبة «يوم الأرض».

أصاب الفيلم قلب حركة حماية البيئة فى الولايات المتحدة، حتى أن بعض نشطاء البيئة وصفوه بقنبلة تخريبية لحركة المناخ، وصفعة على الوجه من صديق وحليف يسارى تعودوا منه أن يصب هجومه على فساد رموز اليمين لا عليهم هم، بل وطالب بعضهم صناع الفيلم بسحبه والاعتذار عنه بدعوى أن الأسئلة والشكوك التى يطرحها «كوكب البشر» هى مغالطات لا تضعف الحركة البيئية العالمية فحسب، بل تهددها بالانقسام على نفسها. فما هى النقاط التى يثيرها الفيلم فى ما يتعلق بقضية البيئة؟

أولا، أن الطاقة الخضراء ليست خضراء وليست بديلة ولن تنقذ الكوكب.
يقدم لنا راوى الفيلم ومخرجه جيف جيبز نفسه باعتباره من أقدم نشطاء حركة حماية البيئة، ولكنه وجد هو وصديقه مايكل مور أن الوقت قد حان لتقييم مسار النضال الذى تركز على تطوير مصادر بديلة للطاقة الأحفورية (الفحم والنفط والغاز). يتنقل جيبز بين مواقع توليد الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، ومعارض السيارات الكهربائية، ويتحدث مع بعض الخبراء والنشطاء والمشتغلين فى هذا الميدان ليرى معه المشاهدين مدى ضعف كفاءة وفعالية هذه البدائل، واعتمادها على مصادر غير متجددة، بل وضررها على البيئة نفسها. فمثلا تتطلب إقامة الألواح الشمسية مساحات شاسعة من الأراضى التى تزال منها النباتات الطبيعية، كما يحتاج تصنيعها وتصنيع بطاريات التخزين إلى استهلاك قدر كبير من الطاقة الأحفورية غير النظيفة واستخراج موارد ومعادن طبيعية مثل الفحم والكوارتز والليثيوم وإذابته مما ينتج عنه آثار سامة. ومع هذا لا تتعدى صلاحية بعض الألواح الشمسية سنوات قليلة، وهى تولد نسبة ضئيلة من الطاقة لا يجعلها بديلا لمصادر الطاقة الأخرى. بل أن مولدات الطاقة الشمسية لا تقام دون أن تكون على اتصال دائم بمصدر احتياطى للتشغيل من البنية التحتية المعتمدة على الطاقة الأحفورية التقليدية المراد إحلالها، مما يجعل الأمر يبدو وأنه تمثيلية أو خداع للنفس وللغير. ثم يصور الفيلم حقل بائس من مخلفات أبراج الرياح التى انتهت صلاحيتها بعد عشرين عاما فقط من التشغيل، بينما استهلكت أراض طبيعية ومدخلات صناعية كبيرة وأضرت التنوع البيئى بسبب الأعداد الكبيرة من الطيور التى تقتلها توربينات الهواء.
ويمثل الوقود الحيوى بالنسبة لصناع الفيلم وهمًا آخر من أوهام الطاقة المتجددة لما يتطلبه من أراض زراعية تخصص لمحصولات غير غذائية، وما يتم إزالته وحرقه من أشجار ونباتات وغابات تحتاج لعشرات ومئات من السنين لكى تنمو وتتجدد مرة أخرى. فكيف وصل النضال من أجل حماية البيئة إلى دعم هذه الأفكار والممارسات، بل والمطالبة بها؟ يشير الفيلم إلى أن التركيز على قضية التغير المناخى وارتفاع درجة حرارة الكوكب هو سبب الاندفاع وراء أى وقود ينتج انبعاثات كاربون أقل أو أنظف قليلا من الوقود الأحفورى، وفى سبيل هذا يتم التغاضى عن أضرار كبيرة تلحق بالتوازن البيئى والطبيعى الأشمل للكوكب.

ثانيا، اختراق الشركات الرأسمالية الكبرى للحركة البيئية وتغلغلها إلى درجة الاندماج الكامل.
يتناول «كوكب البشر» شخصيات تعتبر من رموز وقادة حركة الطاقة الخضراء المتجددة مثل آل جور وبيل ماكيبن وروبرت كينيدى ويشير إلى أن شبكة علاقاتهم ومصادر تمويلهم ودعمهم تضم شركات الغاز الطبيعى وشركات قطع ونقل الأشجار التى تربح من الاستثمار فى مجال الطاقة الخضراء والوقود الحيوى. بل أن أكبر الرأسماليين المستثمرين فى صناعة الفحم انضموا إلى صناعة الألواح الشمسية أيضا مثل الأخوان كوك، الذين بالإضافة إلى ذلك يتلقون الأموال الحكومية التى أصبحت تخصص لدعم الاستثمار فى الوقود الحيوى، يتلقى الذى من شأنه إزالة الأشجار وحرقها! وهكذا أصبح دعاة إنقاذ الكوكب التقدميين شركاء لوول ستريت وجولدمان ساكس وبلومبرج فى نخبة واحدة تدعو إلى الاستثمار فى مصادر الطاقة المتجددة وتربح منها.

ثالثا، الدعوة لترك عقيدة النمو والاستهلاك
يتعمق جيبز ومور فى البحث عن جذور هذا الانجراف الذى ألمّ بحركة البيئة، فيبدو للمشاهدين أن الأمر يتعدى الفساد التمويلى إلى فساد فى عقيدة النمو الاقتصادى ذاتها. فقد سيطر مفهوم وول ستريت عن النمو الاقتصادى الذى ينحصر فى نمو الربح، فتقام الاستثمارات والمشروعات لا لسد الاحتياجات وإنما لتحقيق الأرباح. ويأتى الفيلم بخبراء يؤكدون أن الكوكب أصبح لا يستوعب النموذج الاقتصادى الذى يقوم على استخراج موارد وتصنيعها ثم رميها. فالكوكب محدود فى موارده ولا يحتوى ما يكفى لمواجهة النمو السكانى وطريقة الحياة الاستهلاكية: إذ أصبحت المياه الجوفية أقل، والأسماك أقل، وكذلك الأراضى الصالحة للزراعة. لذلك ينتقد «كوكب البشر» الحلول البيئية التى تعتمد على مزيد من التكنولوجيا الصناعية لحل أزمة الثورة الصناعية، ويدعو بدلا من ذلك إلى التفكير فى طرق تخفيض الاستهلاك والسيطرة على أنفسنا.
وباعتباره واحدا من هؤلاء الذين آمنوا بوعد الطاقة المتجددة سنين كثيرة، يتساءل جيبز عن سر وقوعه هو وغيره من الرفاق والناس تحت سيطرة هذا الوهم. ويأتى بأستاذ فى علم النفس الاجتماعى للإجابة فيقول لنا إن الناس فى تيار اليمين يعتمدون على الدين فيما يتعلق بالحياة والموت، أما التيار اليسارى فيعانى من قلق وجودى فى مواجهة مفهوم الموت، وهذا التوتر هو سبب الاندفاع والتشوش وضعف الوضوح فى الرؤية.
***
وقد واجه مايكل مور وجيف جيبز سيل من الانتقادات عن «كوكب البشر»، أكثرها من زملاء وتلاميذ وجمهور مندهش من انقلابه على رفاقه. ومن ضمن هذه الانتقادات أن الفيلم لم يناقش الطاقة النووية كبديل فعال ونظيف فى نفس الوقت، وأن بياناته قديمة، وأنه يقدم هدية لصناعة الوقود الأحفورى بتقليله من أهمية التغير المناخى، وأن التركيز على النمو السكانى يؤدى إلى توجهات فاشية وعنصرية.
وفى رده عن ضرورة النقد الذاتى من داخل الحركة البيئية نفسها يبدو مايكل مور وكأنه يقول إنه لم يقصد إحراج كبار كهنة البيئة وأنه لم يرد سوى إصلاح. وأشار إلى جائحة الكورونا التى يراها بمثابة إنذار من الطبيعة الأم، ودليل عملى على صحة موقفه: ففى أسابيع قليلة من خفض الاستهلاك البشرى وإبطاء عجلة النمو الصناعى انخفض تلوث الهواء الناتج عن انبعاثات الكربون بمعدلات تفوق ما تحققه إمكانات الطاقة البديلة فى سنوات. ولا يزال الجدل مشتعلا.

هديل غنيم كاتبة مصرية
التعليقات