تحرير قصص الأطفال.. والتحرر منها! - هديل غنيم - بوابة الشروق
السبت 24 يوليه 2021 4:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فصل حلا شيحة من نقابة المهن التمثيلية بعد تصريحاتها عن فيلم مش أنا؟

تحرير قصص الأطفال.. والتحرر منها!

نشر فى : الإثنين 8 مارس 2021 - 8:00 م | آخر تحديث : الإثنين 8 مارس 2021 - 8:00 م

ماذا نفعل عندما نبدأ فى قراءة قصة لأطفالنا كنّا نحبها صغارا، ثم نفاجأ بمشهد غول يذبح طفلا كل ليلة يطبخه ويتعشى به؟ أو قصة بطلتها لا تفعل شيئا طوال الحكاية سوى أنها جميلة ونائمة؟ أو نتذكر حدوتة تكافئ البنت الطيبة ببياض البشرة بينما تعاقب أختها الأنانية ببشرة سوداء؟ البعض يستمر فى القراءة أو الحكى على اعتبار أننا قد تربينا على مثل هذه القصص وها نحن «زى الفل»، والبعض يحجب هذه القصص تماما عن أعين الأطفال ومسامعهم خوفا من تلويث عقولهم وقيمهم.
***
مثل هذه الرقابة تقوم بها المؤسسات أيضا، وقد طالت أعمال شهيرة لكبار مؤلفى قصص الأطفال فى زمن ليس بعيدا جدا؛ مثل بعض قصص دكتور سوس، ورولد داهل، ولورا ويلدر. فقد وجدوا أن تلك القصص تحتوى على صور نمطية سلبية عن الشعوب غير البيضاء، أو عن الأقليات الدينية مثل اليهود. ولكن من ناحية أخرى، هناك من المربين من يرى أن الأفضل من الحجب هو التحرير الفورى للقصص، بمعنى أن يقوم المربى بالعمل الذى يقوم به محررو النصوص فى الصحافة ودور النشر؛ فيقوم بحذف بعض الأشياء والقفز على بعضها أو تخفيفها وإضافة عناصر جديدة للقصة. هذا التمرين من شأنه إيقاظ الوعى النقدى لدى الكبار قبل الصغار. أما الأفضل على الإطلاق فهو مناقشة النصوص والرسوم مع الأطفال أثناء القراءة، انطلاقا من حقيقة يجب أن يعرفها الأطفال وهى أن المجتمعات تنمو وتتطور تماما كما ينمو الإنسان. ولا يعيبنا أن ندرك الأخطاء التى قمنا بها فى الماضى فى حق أنفسنا وفى حق الآخرين، طالما نسعى إلى مجتمع أفضل وأعدل.
***
لا أظن أن عملية تحرير قصص الأطفال أو مناقشتها معهم مسألة صعبة تحتاج إلى مهارات كبيرة من الكبار، لكن الصعب هو ملاحظة الأفكار الأيديولوجية الكامنة بين صفحات قصة بسيطة، ثم كشفها ووضعها محل التساؤل. فى كتابها المهم «السكون ما بين الأمواج: كتب الأطفال المصورة والمجتمع المصرى المعاصر» تشرح الباحثة والناقدة ياسمين مطاوع كيف أنه من المستحيل أن يخلو كتاب للأطفال من المغزى التربوى مهما كان ينزع نحو الترفيه والخيال ومهما ابتعد عن التعليم والتوجيه المباشر. وهى تحلل العديد من أمثلة القصص المصورة المصرية التى نعرفها ونحبها لمؤلفين مثل فاطمة المعدول ورانيا أمين ووليد طاهر وغيرهم، وتبين كيف تحتوى القصص ــ حتى اللطيف الساخر منها ــ على تربية عاطفية وتربية مجتمعية تعلى من قيم أسرية وإنسانية معينة على حساب قيم أخرى وطرق تنظيم أخرى. وهى تذكرنا بأفكار هنرى ليفيفر حول تصوير الفضاء المنزلى وتسييس الحياة اليومية باعتبارها «الشاشة التى يعرض فيها المجتمع نوره وظله وقوته وضعفه». ومن هنا تأتى أهمية ما نقدمه فى كتب الأطفال على أنه «طبيعى» و«عادى»، وما هو مستبعد.
***
وفى نقاش دار مؤخرا عبر موقع «سيدات مصر» عن الصورة النمطية السلبية للبنات التى تظهر فى قصص الأطفال الخيالية، تحدثت المشاركات عن الأثر السلبى الذى يطول المجتمع ككل حين يتكرر تصوير الفتاة فى تلك القصص بصفتها ضحية ضعيفة فى انتظار بطل منقذ، أو حين يتم تصوير الأم وهى تقوم بأعمال منزلية فقط (دون الأب)، وإغفال تصويرها فى أدوار مختلفة، وأزياء متنوعة، فى المجال العام. وقد راعنى إدراك الصلة بين ما نقدمه بحسن نية فى قصص الأطفال وما قد يترتب عليه من أذى حقيقى بفعل هذا التنميط. فإن العنف النفسى والجسدى والتحرش فى الشارع يصيب تلك الأقلية المستبعدة من الصورة التى نقدمها باستمرار لما هو طبيعى ومعتاد. وبالتالى تصبح تلك الصورة الراسخة عن مكان الفتاة «الطبيعى» ونشاطها ومظهرها مبررا لارتكاب العنف ضدها حين ترتاد الأماكن العامة، كأن يقال «وهو ايه اللى ودّاها هناك؟».
***
إن مجرد إدراك أن لكل قصة ورسمة تحيزاتها وتصوراتها عمّا هو مقبول وما هو مستبعد (ولو بدون وعى من صنّاعها) يساعد الكبار على اختيار القصص للأطفال، ثم الارتياح لقدرتهم على مناقشتها بشكل ينمى خيال الطفل وقدراته النقدية. وبينما ناقش لقاء «سيدات مصر» أهمية البحث عن «سندريللا أخرى» والتحرر من قبضة الخيالات القديمة، ناقشت الدكتورة ياسمين مطاوع فى أمتع فصول كتابها تجارب بعض المؤلفين فى تقديم تصوراتهم المختلفة عن الأنوثة النموذجية من خلال تحديث وإعادة حكى القصص الشعبية. ومن التجارب التى تقوم بتحليلها قصص الدكتور عبدالوهاب المسيرى «سندريللا وزينب هانم خاتون» و«نور والذئب الشهير بالمكّار». وبالرغم من قيام المسيرى بخلخلة الحكاية الأصلية وتحريرها من بعض سماتها الغربية التقليدية، إلا أن مراجعة مطاوع الفاحصة تكشف عن التباسات أخرى فى تلك الرؤية البديلة، وكأنه وهو يتحدى بعض التقاليد المهيمنة يعود ويؤكد عليها بشكل لا شعورى. مثل هذه المساءلة لا تنفى فوائد النص المحدّث، لكنها تؤكد ضرورة أن نشترك جميعا فى عملية مستمرة من مراجعة وتحرير الحكايات التى تلقى علينا وعلى أطفالنا.

هديل غنيم كاتبة مصرية
التعليقات