كيف تصبح فقيرا؟ - هديل غنيم - بوابة الشروق
الخميس 18 يوليه 2024 2:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

كيف تصبح فقيرا؟

نشر فى : الإثنين 2 يناير 2023 - 7:45 م | آخر تحديث : الإثنين 2 يناير 2023 - 7:45 م
هذا هو عنوان كتاب جورج ميكش الكاتب الساخر البريطانى، المجرى الأصل. وجدتنى أقرأه مرة أخرى لما فيه من سخرية وحكمة تناسب الأزمة الاقتصادية التى يمر بها أغلب الناس حاليا بالرغم من أنه مكتوب فى أوائل الثمانينيات. أما الفقر الذى يدعو إليه الكاتب فهو ليس فقر الجوعى والمشردين بلا مأوى، فمثل هذا الفقر لا مزاح فيه ومن الواجب القضاء عليه، وإنما هو يدعو إلى الفقر الأنيق، ذلك الفقر المحترم المتعفف اللصيق بالطبقة الوسطى. مثل هذا الفقر يجب أن ترتديه بكل فخر، وتستمتع به، وتعتبر نفسك محظوظا لأنك لست ثريا. فالأثرياء كما لاحظ ميكش هم التعساء، هم المشوهون نفسيا بسبب ثرواتهم، هم الذين يشقيهم القلق الدائم على أموالهم من خطر الخسارة والنقصان والضياع والسرقة والاستغلال. ويسألون أنفسهم باستمرار بما يدعو للشفقة: هل أنا محبوب لشخصى أم لمالى؟
• • •
الأثرياء كثيرا ما يجلبون لأنفسهم تعاسة مضاعفة بتضحيات عديدة من أجل الحفاظ على مظهر محدد من الثراء. فبينما يختار الفقير متوسط الحال المسكن المناسب فى ثمنه لاحتياجاته وإمكاناته المادية، ويأكل مما يحبه من أى مكان مهما بلغت بساطته، ويصاحب من يشاء ممن يبعثوا فى نفسه السرور، يتقيد الأثرياء بالسكن فيما يسمى بالأحياء الراقية دافعين مبالغ باهظة فيما هو مكلف أو ضيق أو قديم ولكنها ضريبة العنوان فحسب. وضحايا المظاهر المترفة لا يستطيعون إلا الأكل فى أماكن تغرمهم ثمن زينة وديكور المكان قبل ثمن الطعام، ولا يستطيعون الظهور إلا بصحبة غيرهم من الأثرياء مهما ثقل دمهم ومهما كانت صحبتهم مملة وكاتمة للأنفاس.
• • •
وبينما يستطيع الفقير الحر نفسه أن يقفز إلى أى مكان يجد له سبيلا وإجازة من عمله، ما أن يمتلك شاليها للتصييف حتى يجد نفسه مضطرا أن يقضى كل إجازة فى ذلك المكان الذى استثمر فيه من ماله، والاعتناء بصيانته ونظافته والتردد عليه بانتظام وإلا يكون مالا مهدرا وخسارة، والخسارة هى أكثر ما يبغضه من وهب حياته لجمع الثروة. وهكذا وبالمقارنة مع الأثرياء يخلص ميكش إلى أن الفقراء هم الأقدر على الاستمتاع بالأشياء. فالفقير الذى يجد نفسه مدعوا لسبب ما فى مطعم فاخر سيسعد بالطعام الذى يقدم له، ولن يزعجه ويعكر مزاجه أن السوشى طعمه لا يشبه فى جودته طعم السوشى الذى يطلبه فى المدينة الفلانية فى سفرته الأخيرة.
• • •
وقد لاحظ ميكش بالنظر لمن تغيرت مقاديرهم فى الحياة، بل وبالنظر إلى حالته الشخصية كصحفى أحيانا يكسب الكثير وأحيانا لا يحتكم على شىء، أن أسلوبك فى الحياة لن يتأثر كثيرا بوضعك المالى، وكلنا عرفنا أثرياء كرماء فقدوا ثرواتهم وأثقلتهم الديون ولا زالوا كرماء، وهناك المتقشفون فى حياتهم مهما راكموا من ثروات، ومن يعيشون كالمليونيرات وهم لا يملكون شيئا. فكأنما العز يشع فى النفوس قبل أن يكون له دلائل مادية.
• • •
قد تكون سخرية جورج ميكش مستفزة فى ظل الظروف الحالية التى تجد فيها الطبقة المتوسطة أمام تحديات غير مسبوقة تجعل من الجوع والتشرد أشباحا قريبة. ولكن فى ظنى أن السخرية مفيدة فى تعديل نظرتنا للمال قليلا وما ينبغى أن نطمح إليه. فإذا اقتنع الناس أن الانتماء إلى الطبقة المتوسطة هو الوضع الأمثل والأريح والأقرب لتحقيق السعادة الشخصية، سوف يكف المنتمون لها عن تقليد الأثرياء وبعثرة الأموال والأعصاب فى مظاهر تافهة، وسوف ينغمس الأثرياء التعساء فى حياة الطبقة الوسطى بحثا عن راحة البال تاركين الهوس بمراكمة وتعظيم الثروة والتشبث بمظاهرها. ثم يلتفت الجمعان إلى انتشال باقى المجتمع من خطر الجوع والتشرد الذى ينتشر بالفعل بين أفراده. هذا هو العار الحقيقى الذى لا ينمحى بتشييد الصروح الوطنية وافتتاح المدن الجديدة. ولم يكن الناشط الأمريكى الأسود برايان ستيفنسون مازحا حين قال إن عكس الفقر ليس الثراء ــ وإنما العدالة.
هديل غنيم كاتبة مصرية
التعليقات