التمثيل والتمثيل فى مسلسل «رامى» - هديل غنيم - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2020 11:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

التمثيل والتمثيل فى مسلسل «رامى»

نشر فى : الخميس 24 سبتمبر 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 24 سبتمبر 2020 - 9:55 م

قليلون كانوا قد سمعوا عن المسلسل الأمريكى «رامى» قبل حفل جوائز جولدن جلوب فى بداية هذا العام عندما انطلقت فجأة موسيقى «لونجا ٧٩» لهانى شنودة (التى نعرفها بلحن الكاميرا فى الملعب) لحظة إعلان فوز «رامى يوسف» بجائزة التمثيل. تقدم الشاب العشرينى وسط نجوم هوليوود واستلم الجائزة بعد توقف موسيقى تتر مسلسله وشكر من شكر وعبر عن سعادته ثم قال «الله أكبر». بعد ذلك رشح الفنان الأمريكى المصرى لجائزتى «إيمى» فى الإخراج والتمثيل عن نفس المسلسل ولم يفز بأى منها، ومع هذا فقد فاز مسلسه بجائزة «بيبودى» التى تتمتع باحترام فائق. مسلسل «رامى» بالفعل لفت أنظار النقاد منذ أن عرض الجزء الأول منه على منصة «هولو» العام الماضى، والسبب فى ظنى لا يعود إلى براعة رامى يوسف فى تمثيل دوره فى المسلسل بقدر ما يعود إلى براعته ككاتب ومخرج ومنتج فى تمثيل شريحة مهمة من المجتمع على شاشة التلفزيون الأمريكى لأول مرة.
المسلمون فى الولايات المتحدة الأمريكية أقلية لا تزيد نسبتها من عدد السكان على الواحد بالمائة، وداخل هذه الأقلية يوجد تنوع ثقافى وعرقى كبير، فتقل نسبة ذوى الأصول العربية من بين المسلمين الأمريكيين عن العشرين فى المائة. ومن بين الأمريكيين العرب، تزيد نسبة المسيحيين منهم عن المسلمين بفارق كبير. ومع ذلك يصعب تذكر هذه الحقائق الإحصائية فى ظل الخلط الدائم بين ما هو عربى وما هو مسلم، وفى ظل المبالغة الشديدة فى تصوير خطورة العربى المسلم. تلك الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام انعكست على الدراما التلفزيونية والسينمائية الأمريكية، فأدت إلى تمثيل الشخصية المسلمة فى صورة نمطية لا تخرج عن الإرهابى. وحين زاد الأمر عن الحد وحاولت الدراما أن تكون أكثر إنصافا وتوازنا، أصبحت الدراما تصور الأمريكى المسلم فى دور الشرطى الطيب الذى يحارب الإرهاب. والحقيقة أن الصورة النمطية الإيجابية لا تطرد الصورة النمطية السلبية، بل تعزز نفس القالب الذى يحصر المسلمين داخل قصة واحدة نمطية لا تتغير.
***
ثم جاء رامى يوسف بشىء جديد تماما من عدة نواحٍ، أهمها أنه صاحب القصة، وليس مجرد الممثل الذى يلعب دور الشاب الأمريكى المصرى المسلم فى قصة من تأليف آخر لا ينتمى لهذا المجتمع. فعندما نتحدث عن مشكلة تمثيل الأقليات فى الأعمال الفنية الأمريكية، وانتشار الصور النمطية عن أفرادها، يجب أن نتحدث بالأساس عن ندرة تواجد أفراد هذه الأقليات كصناع للحكايات التى تروى عنهم؛ سواء من بين الكتاب أو المخرجين أو المنتجين، وليس فقط ظهورهم أمام الكاميرات ضمن طاقم التمثيل. فبالرغم من بلوغ نسبة الأقليات غير البيضاء فى الولايات المتحدة الأربعين فى المائة من إجمالى عدد السكان، إلا أن نسبة الكتاب السينمائيين والتلفزيونيين فى هوليوود من هذه الأقليات لا تتجاوز العشرة فى المئة، ولا تزيد نسبة المخرجين من بينهم على السبعة فى المئة.
داخل هذا التصنيف، نجد إلى جانب رامى يوسف اسمين اثنين أو ثلاثة على الأكثر. فهناك المنتج والمخرج الأمريكى من أصل مصرى «سام إسماعيل» الذى كتب وأخرج مسلسل «مستر روبوت»، ثم الممثل والكوميديان «عزيز أنصارى» الذى كتب ومثل وأخرج مسلسل «Master of None» وهو من أسرة أمريكية أصلها من مسلمى التاميل بالهند. وأخيرا الممثل الأمريكى المولود بباكستان «كميل نانجيانى» الذى شارك فى كتابة وتمثيل فيلم «The Big Sick». لم يتعرض سام إسماعيل للدين بأى شكل فى أعماله الفنية، بينما تناول كل من عزيز أنصارى وكميل نانجيانى مسألة تركهما للإسلام والإلحاد فى أعمالهما الفنية وكذلك فى المقابلات الصحفية. أما رامى يوسف فهو يتفرد بين هؤلاء ليس فقط لأنه يصرح بإيمانه على المستوى الشخصى، بل لأن الأزمة التى يعانى منها بطل مسلسل «رامى» أزمة روحانية بالأساس. فالبطل شاب أمريكى عصرى يريد أن يصبح مسلما أفضل ولكنه يجد صعوبة فى الإقلاع عن المعاصى الجنسية، بعكس أغلب الأعمال الفنية التى تتناول قصة الفرار من سطوة مجتمع متدين، (على سبيل المثال المسلسل الأمريكى الألمانى «unorthodox» الذى رصد حياة فتاة يهودية تهرب من مجتمع الأرثوذوكس المتشدد فى نيويورك ورشح لثمانى جوائز إيمى وفاز ببعضها).
صرح رامى يوسف أن شخصية «رامى حسن» التى يقدمها فى المسلسل تحمل بعضا من ملامح شخصيته وحياته فى الواقع، ولكنها النسخة الأكثر ضياعا منه، أو السيناريو الكابوسى لمجرى حياته. وقد عبر الكثير من المتابعين عن غضبهم من رامى وفقدان تعاطفهم معه خاصة فى نهاية الجزء الثانى من الحلقات. وبسبب عيوبه، والعيوب التى أظهرها المسلسل فى شخصيات أخرى فى أسرته وبين أصدقائه، قرر بعض المشاهدين من المصريين والمسلمين الأمريكيين أن المسلسل لا يقدم صورة جيدة عنهم وعن الإسلام، بينما تحمس له كثير من الشباب الأمريكى من جيل رامى يوسف الذين شعروا أنه يعبر عن التناقضات التى يعيشونها. وكان رد المؤلف أنه لا يسعى لتقديم صورة إعلانية مثالية عن أسرة أمريكية عربية مسلمة ولا دليل تعريفى عن الإسلام، فمن يريد أن يعرف المعلومات بوسعه أن يبحث فى الويكيبيديا، كما أنه لا يسعى لتمثيل كل المسلمين وكل العرب فى أمريكا، ولكنه يقدم شخصيات إنسانية محددة، وكل هدفه أن يكون صادقا وصريحا وغير ممل.
***
مسلسل «رامى» رغم أنه كوميدى ترفيهى إلا أنه يتعرض لقضايا حساسة فى الدين والجنس والسياسة. يقول رامى يوسف أنه قد تعلم من أدائه وكتابته لنكات كوميديا المسرح كيف يتحدث عن الجنس أمام من لا يحبون الحديث عنه، وكيف يتحدث عن الله أمام هؤلاء الذين لا يريدون الحديث عنه. كما يؤكد على حرصه على ألا يتورط فى السخرية من الدين، أو التربح من هويته الدينية المغايرة. وهو يقول عن أزمة بطل مسلسله أنه أراد التقرب إلى الله وفشل، وأراد القرب العاطفى وفشل أيضا، وذلك لأنه فى الحالتين بحث عن حلول سريعة دون تعمق أو تفهم حقيقى.
المسلسل يتطرق من خلال شخصيات ثانوية تقع فى دائرة البطل إلى قضايا أخرى مثل العنصرية تجاه السود، والمثلية الجنسية، والتفرقة فى معاملة الفتيات وغيرها، وبالتالى تتخلله لحظات ومشاهد تسبب الحرج وعدم الارتياح للمشاهدين إلى جانب المشاهد التى تضحكهم. إلا أن طرح مثل هذه الأمور فى إطار قصة فنية يسهل على المسلمين مناقشتها فيما بينهم ويقلل من حرجهم. ففى النهاية، الدين ليس هشا، ومناقشة المعتقدات والممارسات الدينية لن تعرضه للكسر. ويبدو أنه مقارنة بالجيل الأسبق، فإن جيل رامى يوسف من الفنانين يتمتع بوفرة فى الثقة بالنفس وشعور بأن هويته وإيمانه «كوول»، مما يؤهله لخوض هذه المناطق بصراحة وشجاعة أكبر.

هديل غنيم كاتبة مصرية
التعليقات