هواجس الحرب الباردة الصينية ــ الأمريكية - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الخميس 6 مايو 2021 3:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


هواجس الحرب الباردة الصينية ــ الأمريكية

نشر فى : الإثنين 8 يونيو 2020 - 7:20 م | آخر تحديث : الإثنين 8 يونيو 2020 - 7:20 م

أما وقد أرخى حديث الحرب الباردة بين واشنطن وبكين بظلاله على الجدل الاستراتيجى العالمى، يغدو تبوؤ ترامب مقعده من المكتب البيضاوى فى عام 2016، لحظة فارقة فى هكذا منعطف. ففى العام التالى مباشرة سلطت استراتيجية الأمن القومى الأمريكى الضوء على تنامى قلق الإدارة الجديدة جراء تعاظم القوة العسكرية الصينية، وتوسع «مبادرة الحزام والطريق» بمختلف أصقاع المعمورة، وتطلع بكين لإدراك قصب السبق فى امتلاك وتسويق أحدث التكنولوجيا بحلول عام 2025. فكأننا بدوائر صنع القرار الأمريكية قد حسمت سجالها الاستراتيجى المزمن بشأن كيفية التعاطى مع صعود الصين كقوة عظمى منافسة، باعتماد خيار تقويض ذلك الصعود، بدلا من توظيفه لتعميق التعاون بين واشنطن وبكين فى إدارة العالم وتقاسم أعباء قيادة النظام الدولى.
انطلاقا من هذا التوجه، انهالت تترى ضربات ترامب على الصين، من قبيل مواصلة تسخين ملفى تايوان وهونج كونج، والحيلولة دون هيمنة بكين على بحر الصين الجنوبى، ومطالبتها الالتزام باتفاقات ضبط التسلح التقليدى وغير التقليدى، وفرض التعريفات الجمركية من جانب واحد، وعرقلة انتشار تقنيات صينية مثل HUAWEI G5، وتجميد استثمارات صينية نوعية بقطاعات استراتيجية فى الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها، وتقييد تعاونها مع بكين بمجال التكنولوجيا الدقيقة المتطورة. وفى أزمة «كوفيدــ19»، تحسس ترامب ضالته لمواصلة التصعيد حيال الصين بعدما اتهمها بتضليل المجتمع الدولى بشأن تفشى فيروس كورونا، ما تسبب فى وفاة 110 آلاف أمريكى، والزج بالاقتصاد الأمريكى إلى أتون كساد عظيم، أطاح بإنجازات ترامب الاقتصادية وزعزع آماله فى الفوز بولاية رئاسية ثانية بانتخابات نوفمبر المقبل، التى اتهم بكين ببذل كل ما فى وسعها ليخسرها كى يفسح المجال لخصمه الديمقراطى جو بايدن للفوز عساه يخفف الضغوط التى فرضها ترامب على الصين فيما يتعلق بالتجارة وشئون أخرى. وتحديا لما اهتدت إليه الدوائر الاستخباراتية الأمريكية، لا يفتأ ترامب يرى الفيروس نتاجا لمعمل بحثى فى ووهان، ويصر على التماس الآليات الكفيلة بمعاقبة الصين باعتبارها المسئولة عن تفشى الوباء عالميا، كتجريدها من الحصانة السيادية بما يسمح بمقاضاتها وتكبيدها تعويضات مالية ضخمة، أو إلغاء شىء من الالتزامات المالية الأمريكية تجاهها.
وبينما رفضت الصين اتهامات ترامب لها بالتدخل فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أو التسبب فى استشراء وباء كورونا، معتبرة إياها محض أكاذيب تتوخى تضليل الرأى العام وصرف الأنظار عن إخفاقه فى التصدى للجائحة، ارتأى مراقبون أمريكيون هجوم ترامب على بكين حملة انتخابية لترميم موقفه السياسى المهترئ، خصوصا بعدما أظهرت استطلاعات الرأى تراجع شعبيته وتنامى شعبية بايدن، ما دفع الجمهوريين لدعم مساعى ترامب لشيطنة الصين بغية كسب الانتخابات، إذ دعت اللجنة الوطنية لجمهوريى مجلس الشيوخ إلى مؤازرة الرئيس فى ملاحقة الصين ومحاصرة منافسه الديمقراطى، الذى نعتته بـ«بايدن بكين». وقد استرعى أولئك المراقبون تصدر مروجى تراهات أسلحة الدمار الشامل كذريعة لغزو العراق عام 2003، لموجة التبشير بحرب باردة بين واشنطن وبكين هذه الأيام.
وبينما يطيب لعديد أدبيات سياسية تناول الحرب الباردة الأمريكية ــ الصينية من منظور الهوس الأمريكى الأبدى والمرضى باختلاق عدو يبقى على تماسك الأمريكيين ويدفعهم لتأبيد احتكار الريادة العالمية، يرى توماس جومارت، مدير المعهد الفرنسى للعلاقات الدولية، فى كتابه المعنون: «جنون العالم: التحديات الجيوسياسية العشرة»، تلك الحرب كأحد تجليات الصراع المتفاقم بين بكين وواشنطن، بجريرة زحف الصين الحثيث لتصدر العالم، وتوجس إدارة ترامب من مساعيها لترسيخ دعائم اقتصاد معرفة يعتمد على تصدير السلع كثيفة التكنولوجيا الفائقة وما يستتبعه ذلك من تطبيقات عسكرية مذهلة، معتبرة أن المشاريع الصينية الاقتصادية الطموحة مثل «مبادرة الحزام والطريق»، و «برنامج صنع فى الصين 2025 » لا تخلو من مآرب عسكرية تهدد الريادة الأمريكية، خصوصا مع سعى الصين المبطن والهادئ للهيمنة على محيطها الإقليمى، والتمدد إفريقيا، ومحاصرة النفوذ الأمريكى آسيويا، والسيطرة على المعابر البحرية الجيواستراتيجية، توسلا لتحقيق استدارة استراتيجية نوعية بالتحول من قوة قارية إلى قوة بحرية توطئة لبلوغ مرحلة القطبية الكونية.
وانطلاقا من تحليله «فخ ثيوسيديدس» المنسوب إلى المؤرخ الإغريقى لحرب بيلوبونيس بين إسبارطة وأثينا خلال الفترة من عام 431 وحتى 404 قبل الميلاد، والذى أرجع السبب الرئيس لاندلاعها إلى رعب إسبارطة، القوة المهيمنة وقتذاك، من التطور المتسارع لقوة أثينا، ما جرف اسبارطة إلى تصعيد المنافسة مع أثينا إلى الحد الذى استدرجهما للتورط فى حرب دامت ثلاثين عاما، وانتهت بانتصار اسبارطة وسقوط أثينا وأفول العصر الذهبى للحضارة اليونانية، خلص جراهام آليسون، عالم السياسة الأشهر بجامعة هارفارد الأمريكية، إلى أن تخوف قطب عالمى وحيد ومهيمن كالولايات المتحدة من النمو المتواصل والصعود المريب لقوة منافسة كالصين، مع انسداد أقنية الحوار والتعاون، كفيل بتأجيج الصدام بينهما والإيقاع بهما فى غيابات ما أسماه «فخ ثوسيديدس»، مستشهدا بما انتهت إليه دراسة أجراها مركز «بيلفر» بجامعة هارفارد الأمريكية، على 16 حالة مماثلة شهدت خلال القرون الخمسة المنقضية، صعودا لافتا لقوى منافسة بما يهدد سلطان القطب المهيمن، انتهت 12 منها إلى نشوب حروب طاحنة بين الطرفين.
وما كان سيل الاجتهادات الذى يدفع باتجاه اندلاع حرب باردة أمريكية صينية، ليعرقل بروز معطيات مغايرة تشى باستبعاد ذلك السيناريو. فبينما شكل التناقض الإيديولوجى بين واشنطن وموسكو لب حربهما الباردة الممتدة، فيما يتوقع غومارت أن تمثل الهوة القيمية بين واشنطن وبكين تحديا هائلا للسياسة الدولية والاستقرار الكونى طيلة عقود قادمة، يصعب الحديث حاليا عن صراع إيديولوجى عاصف بين واشنطن وبكين، خصوصا بعد تواتر نبوءات المفكرين منذ أواسط القرن الماضى حول نهاية الإيديولوجيا، ورواج طروحات ت.س إليوت بشأن أفول زمن النصوص المعيارية الاختراقية للزمان والمكان والثقافات، مرورا بسقوط الاتحاد السوفيتى السابق عام 1990 وإعلان فوكوياما نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية، وصولا إلى امتداد جسور التقارب بين اقتصاد السوق الاستراكى الصينى والرأسمالية الغربية عبر طروحات الطريق الثالث والاشتراكية الرأسمالية، التى تنشد جميعها إعادة الاعتبار لدور الدولة، خصوصا وقت الأزمات الكبرى، على غرار ما فعل كينز إبان الكساد العظيم عام 1929، واستلهمه خبراء لاحقا لمجابهة الأزمة الاقتصادية عام 2008، ثم لاحتواء جائحة «كوفيد ــ 19»، التى أجبرت الدول الرأسمالية على التحكم فى عوامل الإنتاج، وتوجيهها لتوفير مستلزمات تقويض فيروس كورونا.
وما برح سقف التنافس المتأجج بين بكين وواشنطن محكوما بصلابة علاقة الاعتماد المتبادل الآخذة فى التشعب والتطور بينهما، والمتجسدة فى حجم تجارة بينية يناهز 700 مليار دولار سنويا، بما يجعل الصين، مصنع العالم، ثالث أكبر شريك تجارى، وثانى أكبر دائن لواشنطن، ومن الأخيرة أهم شريك تجارى للأولى ومصدرها الأهم للاستثمارات النوعية الضخمة والتكنولوجيا الدقيقة. ومن رحم التصعيد المتبادل، تتوالى الدعوات لاحتواء التوترات، فعملا بوصية الرئيس الصينى السابق دينغ شياو بينغ «خبّئ قوتك وانتظر وقتك»، دعت بكين لبناء نسق جديد للعلاقات بين الدول الكبرى يتسم بنبذ الخلافات والصراعات واعتماد قيم التعاون والاحترام المتبادل، فيما انطلقت بالتوازى تحركات ثنائية لتعزيز اتفاقات تقليص القيود التجارة وتفعيل التعاون المشترك فى مجال التجارة عبر القطب الشمالى، وتنسيق الجهود المشتركة لحماية البيئة والإغاثة الإنسانية، واستكشاف آفاق الاتفاقات الاستراتيجية والتكتيكية المعنية بضبط التسلح، أسوة بما جرى بين واشنطن وموسكو. وفيما يخص أزمة كورونا، أبدت بكين استعدادها لتعاون عالمى حول نشأة ومآلات الفيروس وسبل مكافحة الوباء، وإجراء تحقيق دولى ترعاه منظمة الصحة العالمية بمنأى عن أى تدخلات سياسية.
وتماشيا مع ذلك الطرح، استبعد أستاذ الاقتصاد الأمريكى جيفرى ساكس، اندلاع حرب باردة صينية أمريكية، مرجعا نظرة صانعى السياسة الأمريكيين إلى الصين باعتبارها عدوًّا خطيرًا إلى «جنون العظمة» الأمريكى التواق دوما لاختلاق الأعداء عبر المبالغة فى تصوير التهديدات، حتى اتخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة من استراتيجية صناعة العدو منطلقا لسياستها الخارجية وأداة للتعبئة الجماهيرية وحشد الطاقات والإمكانات لتحقيق الانتصار وتعزيز الهيمنة الكونية، فكان تصنيف الأعداء تبعا لطبيعة ونوعية المصالح القومية التى يطالها التهديد، ليستهل الهنود الحمر قائمة الأعداء، ثم المستعمر البريطانى فى مرحلة تالية، ومن بعده الأسبان لاحقا، حتى جاء دور الاتحاد السوفيتى، ليتلوه الخطر الأخضر الإسلامى، وصولا إلى العدو الأصفر الصينى.بدوره، وبعدما حذر العام الماضى من أن «الولايات المتحدة والصين أصبحتا على شفا حرب باردة وصراع ربما يكون الأسوأ منذ الحرب العالمية الأولى حالة تصعيد التوتر بينهما»، عاد هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، ليؤكد أن الفرصة لا تزال سانحة لتجنب وقوع تلك الكارثة، إذا ما التزم الطرفان العمل سويا لتلافى هكذا مآل عبر سعى دءوب لاكتشاف وفهم دواعى الصدام والتفانى فى معالجتها وحلحلتها.
وخلافا لما قد يتراءى لكثيرين من انحياز الطبقة السياسية الأمريكية لخيار تقويض صعود الصين المتسارع وإن استدعى الأمر تجشم مغامرة المواجهة معها، لا أحسب أن صناع القرار الحقيقيين فى واشنطن يتملكهم ميل أو يعتريهم استعداد لخوض حربين باردتين متزامنتين ضد كل من روسيا والصين، بما يدفعهما للتلاقى والتنسيق الاستراتيجى فى مواجهتها، واستخدام منظمة شنغهاى كمنصة جيواستراتيجية لمنازلة الغرب والناتو، لاسيما أن أوار الحرب الباردة الثانية بين الغريمين التقليديين واشنطن وموسكو لا يزال مستعرا منذ عروج بوتين إلى الكريملين رئيسا للمرة الأولى عام 2000 وإصراره على استعادة مكانة روسيا البائدة على جميع الأصعدة، وسعى واشنطن فى المقابل لإجهاض تلك المساعى، سواء لجهة استرداد الحضور الروسى التليد بسوق السلاح العالمى، أو تحكم موسكو فى أمن الطاقة الكونى، أو محاولات الروس المضنية لإعادة التموضع الاستراتيجى طويل الأمد فى بؤر حيوية كأمريكا اللاتينية أو شرق وجنوب المتوسط.
وطالما بقى نهم الصين لتعظيم قوتها الشاملة غير مثقل برغبة عارمة لانتزاع قيادة العالم، أو مسكون باندفاع محموم لمزاحمة واشنطن قمة النظام الدولى، ستظل العلاقات الأمريكية ــ الصينية أسيرة توتر متقطع ومحسوب، مكبوحة جماحه بتفاهم اضطرارى حذر، تجنبا أو إرجاءً لصدام محتمل تتخطى كلفته المتعاظمة وتداعياته السلبية المتشعبة حدود طرفيه لتغشى عالما أضحت تفاعلاته ومؤسساته مكبلة بأغلال التضاغط المتفاقم بين العملاقين، ريثما يستوى القطب الصينى العالمى الجديد على سوقه، وحتى تضع حالة السيولة الجيواستراتيجية التى تخيم على النظام الدولى منذ عام 1990 أوزارها.

التعليقات