التدخين يقتل شباب الصعيد - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الأربعاء 18 سبتمبر 2019 7:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



التدخين يقتل شباب الصعيد

نشر فى : الإثنين 10 يونيو 2019 - 9:15 م | آخر تحديث : الإثنين 10 يونيو 2019 - 9:15 م

من أسوأ المشاهد التى رأيتها فى السنوات الأخيرة مجموعة من الشباب، أعمارهم تقل عن ١٥ سنة يسيرون فى إحدى قرى الصعيد خلال إجازة عيد الفطر، وهم يدخنون السجائر.

ظنى الشخصى أن تفشى التدخين بين الشباب الصغير ومعه تعاطى المخدرات، لا يقل خطرا على الأمن القومى المصرى بمعناه الشامل عن خطر تهديد حصة مصر من مياه النيل، أو الإرهابيين القادمين من حدودنا الغربية، أو التهديدات الإسرائيلية والإرهابية على حدودنا الشرقية.

ربما خطر الإرهاب أكثر وضوحا، لكن خطر التدخين ينتشر أمامنا وبعلمنا، ونشاهد أولادنا ليل نهار يمارسونه من دون قدرة على المقاومة الفاعلة.

هؤلاء الشباب صغار السن، سافر معظم آبائهم إلى دول الخليج، دفعوا كل ما يملكون، أو استدانوا من أجل الحصول على التأشيرة أو «عدم الممانعة»، وغالبيتهم يعملون فى مهن وحرف شاقة ومهلكة ومجلبة للمرض و«تقصف العمر»، من أجل أن يوفروا لأولادهم معيشة أفضل وتعليما أرقى.

ما يحدث عمليا أن الأب يكد ويكدح ويتحول إلى آلة لتحويل الأموال من الخارج، فى حين أن الأم لا يمكنها فى مرات كثيرة تربية الأولاد بصورة كاملة، خصوصا إذا كانوا ذكورا فى مرحلة المراهقة.

هؤلاء الأولاد، ومن خلال «شلة السوء»، ومع غياب الرقابة، وانهيار منظومة القيم فى التعليم الحكومى، وشيوع ثقافة التوك توك وأغانى المهرجانات وأفلام العنف، فإن التدخين يكون أولى بواكير انحرافهم، على الرغم من أنهم يعتقدون أنهم حينما يدخنون فذلك أحد مظاهر «المرجلة والجدعنة».

الأخطر أن الأمور لم تعد تتوقف الآن عند التدخين، بل تجاوزته إلى تعاطى المخدرات.

وخلال استماعى إلى بعض الشباب الصعيدى فى مناسبات مختلفة أخيرا، فإن ظاهرة انتشار تعاطى المخدرات بين الشباب صارت تتم علنا فى بعض الأحيان، ليس فقط من يتعاطاها، ولكن لمن يبيعها أيضا وعلى قارعة الطريق كما يقولون!!

المخدرات المختلفة ــ وخاصة الاستروكس ــ صارت موضة لدى العديد من الشباب، وللأسف فقد أخبرنى أحد الأطباء، بأن هناك تزايدا فى نسب إصابة الشباب تحت سن العشرين بالعديد من الأمراض الناتجة عن الإدمان بأشكاله المختلفة.

الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تقول إن نسبة المدخنين فى مصر تصل إلى
22.7% فى الفئة العمرية من «15 ــ 69» عاما. وأعلى نسبة من المدخنين بلغت 27.3%، وخاصة فى الفئة العمرية (30 ــ 44 سنة)، و43.4% من إجمالى الذكور مدخنون، مقابل 0.5% من الإناث. و18.1 عاما متوسط السن عند بداية التدخين. و15.9 سيجارة، متوسط عدد السجائر المستهلكة يوميا للمدخن. و20%، يدخنون الشيشة، بمتوسط 0.6 حجر فى اليوم. و6.2% يدخنون السيجار بمتوسط 0.9 سيجار يوميا. و5.4% نسبة من سبق لهم التدخين بصفة يومية، وهم مقلعون عنه حاليا.

قبل فترة جربت أن أوقف بعض الشباب الصغير وأحاول إقناعه بالحسنى، بأن التدخين خطر جدا، الشباب استمع وهز رأسه، ثم مضى إلى حال سبيله. وفى مرة أخرى كان التذمر من كلامى واضحا من مجموعة ثانية، فآثرت السلامة وتوقفت عن تكرار المحاولات.

هؤلاء الشباب بحالتهم الراهنة لن يكونوا قادرين على التركيز فى التعليم، وحينما يتخرجون، لن يكونوا مؤهلين، وحتى لو عثروا على أى عمل، فلن تكون صحتهم العامة قادرة على الاستمرار.. والسؤال كيف نتوقع أن يكون مثل هذه الشباب قوة منتجة نتباهى بها ونراهن عليها؟!

قد يسأل سائل: ولماذا أنت متحمس هكذا ضد التدخين؟!.
الإجابة ببساطة لأننى جربت التدخين لمدة ٢٥ سنة كاملة، وبإخلاص منقطع النظير للسجائر، من أول البلمونت والفلوريدا والكليوباترا والسوبر مرورا بسيجارة كان اسمها سيناء، نهاية بالمارلبورو والجيتان الفرنسية. وأتذكر أنه فى أوائل السبعينيات كانت هناك أزمة طاحنة استدعت توزيع السجائر فى طوابير من أقسام الشرطة بالبطاقة الشخصية.

والحمد لله أن أكرمنى وهدانى، وأقلعت تماما عن هذه العادة المرذولة فى ١١ إبريل ٢٠٠٧، ومن يومها لم ألمس السيجارة، ومجرد شمها يصيبنى بالدوار والغثيان.

حينما نجحت فى التوقف صرت أصف نفسى بأننى قوى الإرادة فعلا. ولم أكن أعرف خطورة التدخين إلا حينما توقفت عنه، ولأننى أدرك مخاطره صار يعز فى نفسى، أن أرى طفلا أو شابا صغيرا فى السن يمسك بالسيجارة، وهو لا يدرك خطورته على حياته ومستقبله.

السؤال: هل يمكن أن تكتمل مبادرة «١٠٠ مليون صحة» العظيمة، وتؤتى ثمارها الإيجابية، فى ظل معدلات التدخين المرتفعة فى المجتمع المصرى.

والسؤال الأهم: ألا يمكننا أن نفكر فى وسائل وإجراءات وقرارات عملية لمواجهة هذه الآفة الخطيرة، حتى لا نهدر كل ما نبنيه فى مجالات متعددة؟!.

الإجابة تحتاج إلى نقاش لاحق.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي