حان وقت الهندسات البيئية - صحافة عربية - بوابة الشروق
الخميس 30 يونيو 2022 4:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

حان وقت الهندسات البيئية

نشر فى : الإثنين 11 أبريل 2022 - 8:25 م | آخر تحديث : الإثنين 11 أبريل 2022 - 8:25 م
نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية مقالا بتاريخ 10 أبريل للكاتب نجيب صعب، تناول فيه تأثير التغير المناخى على البنى التحتية مركزا على بعض المشكلات التى تواجهها بعض الدول العربية. كما عرض الكاتب تجارب أستراليا لمواجهة آثار ارتفاع درجات الحرارة والفيضانات على الطرق... نعرض من المقال ما يلى.
بينما يستمر الحديث عن الحد من الانبعاثات الكربونية المسببة للتغيُر المناخى وكأنه مشكلة للمستقبل، يعمل العلماء على استنباط حلول لتحديات بيئية تواجهنا اليوم. من هذه التحديات آثار ارتفاع درجات الحرارة على البنى التحتية، من طرقات وشبكات ماء وكهرباء وصرف صحى.
ويؤكد التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُر المناخ أنه، حتى لو نجح العالم فى تحقيق هدف وقف معدل ارتفاع الحرارة عند درجة ونصف الدرجة قبل نهاية القرن، فهذا المعدل العالمى العام يخفى تغيُرات موضعية متطرفة، لأنه، أبعد من المعدلات، بدأ العالم يشهد، فى السنوات الأخيرة، عواصف وأعاصير وفيضانات وموجات جفاف وحرارة لم يعهدها قبلا، من حيث حجمها وسرعة تكرارها. ويتوقع علماء الأرصاد تفاوتا فى المعدلات الوسطية لارتفاع الحرارة، لتصل فى بعض المناطق، ومنها الشرق الأوسط، إلى أضعاف المتوسط العالمى. وفضلا عن المتوسط والمعدلات؛ فمن المتوقع أن تضرب موجات الحر المتطرفة بلدان الشرق الأوسط بمستويات غير مسبوقة، وعلى فترات طويلة، بحيث تتجاوز الحرارة الفعلية فى الصيف 50 درجة مئوية على مدى أسابيع، وصولا إلى 60 درجة فى بعض الأيام. ومن دون تدابير استباقية، ستصبح بعض البلدان غير صالحة للحياة.
درجات الحرارة المتطرفة ستجعل من الضرورى إجراء تعديلات فى أنظمة السكن وشبكات الخدمات والمواصلات وأساليب الإنتاج الغذائى والرعاية الصحية. وليست الحرارة المرتفعة التحدى الوحيد، إذ إن التغيُرات المناخية تتسبب بسيول وفيضانات متكررة تحصل بصورة مباغتة، كما هى الحال فى بعض الدول العربية.
من المشكلات التى تواجه الدول العربية دوريا السيول التى تُغرِق الطرقات وتتسبب بأضرار كبيرة فى المنشآت، فضلا عن تعطيل حركة الناس والبضائع. واللافت أن بعض المسئولين لا يتذكرون تغيُر المناخ إلا فى هذه المناسبات؛ إذ يحملونه مسئولية الكوارث الطبيعية، بقصد التملُص من المسئولية. صحيح أن التغيُر المناخى يتسبب بتكرار وتيرة حدوث السيول والفيضانات وزيادة حدتها، لكن المشكلة فى معظم الأحيان سابقة لهذا ولا علاقة لها به؛ فهى تعود إلى تنظيم المدن والبنى التحتية غير الملائمة لطبيعة الطقس وأحواله، قبل أن تكون مشكلة مناخ.
استضافنى أخيرا برنامج تلفزيونى للحديث عن الخراب الذى أحدثَتْه السيول الناجمة عن الأمطار الغزيرة فى بعض المدن العربية؛ فشرحت أن المشكلة أساسا مرتبطة بالتقلُبات الطبيعية للطقس قبل أن تكون قضية تغيُر فى المناخ، وهى غالبا نتيجة لأخطاء فى تصميم المدن والطرقات والبنى التحتية. ففى معظم الحالات، أكان فى الإسكندرية أو الحسكة أو عمان أو مسقط أو دبى، ليست السيول حالة جديدة. ما تغير أنها كانت تضرب بحدة كل عشر سنوات أو عشرين سنة، فصارت تأتى كل سنتين أو ثلاث. لكن ما يجعل أضرارها أكثر ضخامة أن الامتداد العمرانى وصل إلى مناطق كانت محمية فى الماضى، وفى حالات كثيرة سدت الأبنية المجارى الطبيعية للسيول.
كما أن شبكات الصرف الصحى وجمع المياه لم تتطوَر لتواكب الامتداد العمرانى، فبقيت «البنى التحتية» قاصرة عن تلبية احتياجات «البنى الفوقية». أما المشكلة الكبرى، فهى أن هذه الشبكات صُممت غالبا وفق «معدلات» الأمطار، ولهذا فهى لا تتحمل الحدود القصوى. والمشكلة الأخرى لفيضانات الطرقات فى المدن أن شبكات الصرف، حيث وُجدت، تستقبل المياه المبتذلة ومياه الأمطار فى أنابيب واحدة، مما يتسبب بهدر المياه العذبة، إلى جانب إغراق الطرقات لتجاوز القدرة الاستيعابية للشبكة. الحل فى بلدان تعانى نقصا حادا فى المياه العذبة، مثل بلداننا العربية، فصل شبكة المياه المبتذلة عن مياه الأمطار. ففى حين تتطلب معالجة مياه المجارير عمليات معقدة ومكلفة لتنقيتها وإعادة استعمالها، يتيح جمع مياه الأمطار عبر شبكة مستقلة استخدامها للرى والحاجات المنزلية بكلفة بسيطة. كما يمكن تحويل مياه الأمطار المجمعة إلى خزانات المياه الجوفية والآبار حيث وُجدت. وتزيد الحاجة إلى هذه التدابير مع تغطية مسطحات الأسفلت والإسمنت لمعظم المساحات فى المدن، مما يمنع تسرُب مياه الأمطار طبيعيا إلى باطن الأرض. ومن المؤشرات الواعدة أن مصر بدأت إدخال «شبكة الحصاد المطرى» فى برامج التطوير الحضرى، وهى تجربة رائدة فى المنطقة العربية.
قرأتُ تقريرا حديثا عن تجارب بدأ تطبيقها فى أستراليا لمواجهة آثار ارتفاع درجات الحرارة والفيضانات على الطرق. فالارتفاع الشديد فى الحرارة يؤدى إلى ذوبان الأسفلت وتشققه، مما يجعله عرضة للتفكُك والتعرية حين تتبع موجة الحر أمطار وانخفاض فى الحرارة. ومن الأساليب الناجحة التى طورها المهندسون الأستراليون لمعالجة المشكلة ضخ الهواء والماء البارد فى الزفت الساخن أثناء فرشه على الطرقات، مما يساعد فى تقويته وتثبيته، مع احتفاظه بالمرونة. وقد تبين أن الأضرار بعد موسمى الحر والأمطار تراجعت على نحو كبير هذه السنة فى الطرقات حيث طُبقت التقنية الجديدة. ومن الحلول التجريبية الأخرى فى أستراليا إضافة قطع صغيرة من السيراميك فاتح اللون على خلطة الزفت، مما يعكس أشعة الشمس ويخفف من حرارة الطريق المعبدة والمناطق المحيطة. وفى إحدى المدن الأسترالية نجم عن هذا التدبير تخفيض الحرارة بمعدل عشر درجات فى منطقة تعانى من ظاهرة «الجزيرة الحرارية»، حيث تعرقل الأبنية المرتفعة حركة تدفُق الهواء.
ليست هذه التدابير رفاهية علمية؛ إذ إن اعتمادها يوفر المليارات من فاتورة صيانة الطرق وتصليح الأضرار الناجمة عن ارتفاع الحرارة والسيول. ومعظم المنشآت والبنى التحتية فى بلداننا اليوم لا تتناسب مع تقلبات الطقس وأحوال الطبيعة الحاضرة؛ فماذا نفعل لنجعلها جاهزة للصمود أمام الآثار الحقيقية لتغيُر المناخ؟
التعليقات