نحو قياس أكثر عدلًا للفقر - محمد القرماني - بوابة الشروق
السبت 24 أغسطس 2019 11:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





نحو قياس أكثر عدلًا للفقر

نشر فى : الثلاثاء 14 مايو 2019 - 10:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 مايو 2019 - 10:40 م

تناول عدد من المقالات الأيام الماضية موضوع انتشار الفقر فى مصر وذلك على خلفية بعض الأخبار الصحفية التى أشارت إلى ارتفاع معدل الفقر بشكل كبير خلال العام الحالى وتأخر صدور نتائج بحث الدخل والإنفاق الذى يصدر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء. وبغض النظر عن صحة تلك الأخبار ودقة ما ورد بها من أرقام فإن ما يشغلنا فى هذا المقال هو توضيح كيفية وفلسفة قياس الفقر والتى أراها أمرا من الضرورى الحديث عنه من باب توعية المواطنين بقضية تمس قطاعا كبيرا ومتزايدا من المصريين. بداية تعتبر مسألة معدل الفقر من القضايا التى تحتل أولوية لدى صانع القرار باعتبار أن الانسان هو ركيزة المجتمع والمكون الرئيسى له ومن زاوية اقتصادية فإن برامج الحماية الاجتماعية والدعم بمختلف صوره (التى تستحوذ على نسبة كبيرة من الانفاق الحكومى) تستهدف من يستوفى شروط ومعايير مختلفة على رأسها مستوى دخل الفرد، وبالتالى فإن حد الفقر وعدد الفقراء وسماتهم الديمغرافية والنطاق الجغرافى لتركزهم من الأمور التى تشغل بال المهتمين بالشأن العام عموما. ويبقى السؤال المهم هو على أى أساس يتم اعتبار الفرد فقيرا؟ بشكل عام هناك أسلوبان رئيسيان يتم الاعتماد على أحدهما لتحديد معدل الفقر وبالتالى أحقية الفرد فى الحصول على الدعم والتمتع ببرامج الحماية الاجتماعية التى تقدمها الدولة.

***

١ــ الأسلوب الأول هو القياس المطلق للفقر absolute poverty measure والذى يعتمد على تحديد حد أدنى يحتاج إليه الفرد للوفاء باحتياجاته الأساسية ومن يقل دخله عن هذا الحد يعد فقيرا. ويتم احتساب الحد الأدنى وفقا لأسعار السلع والخدمات الأساسية التى يحتاج إليها الفرد بصورة شهرية وغالبا ما يتم حسابها كمضاعف لسلة الغذاء الأساسية (أى قيمة الغذاء الذى يحتاج إليه الفرد شهريا). على سبيل المثال إذا كانت تكلفة الحد الأدنى للغذاء الذى يحتاج إليه الفرد شهريا ٣٠٠ جنيه يتم احتساب حد الفقر بثلاثة أضعاف هذا المبلغ أى ٩٠٠ جنيه شهريا باعتبار أن الفرد ينفق ثلاثة أضعاف دخله على الغذاء. فلسفة هذا الأسلوب هى أن الفقر هو عدم القدرة على الوفاء بالاحتياجات الأساسية وبالتالى فإن الفقير هو من لا يملك ما يعينه على البقاء بغض النظر عن مستويات المعيشة السائدة فى المجتمع. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية هى المثال الأبرز فى اتباع هذا الأسلوب لقياس الفقر كما تعتمد المنظمات الدولية على تحديد حد أدنى يومى بالدولار الأمريكى لدخل الفرد كما تتبعه مصر أيضا. ويعيب هذا النظام أنه يتجاهل تجدد متطلبات الإنسان واحتياجاته الاجتماعية وتغير الأسعار بصفة مستمرة وارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات مقارنة بأسعار الغذاء، على سبيل المثال ترتفع أسعار السكن والطاقة والرعاية الصحية بحيث أصبحت تستحوذ على جزء غير هين من إنفاق الفرد وبالتالى فإن قياس الحد الأدنى للفقر وفقا لأسعار الغذاء قد يكون فى غالب الأحيان غير منصف وعادل. فعلى سبيل المثال، وفقا لآخر تقديرات بحث الدخل والإنفاق الذى يجريه الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فإن حد الفقر فى مصر كان من المتوقع أن يصل إلى حوالى ٨٠٠ جنيه للفرد شهريا (لم تصدر نتائج أحدث بحث حتى الآن) ومن الواضح أن هذا الرقم متدنٍّ للغاية وأى رأى موضوعى ومحايد يعلم أن هذا المبلغ بكل تأكيد لا يكفى حتى الوفاء بالاحتياجات الأساسية لأى شخص.

٢ــ القياس النسبى للفقر relative poverty measure ترتكز فلسفته على أن الفرد يعيش وسط مجتمع ويتفاعل مع غيره وبالتالى فإن الفقير ليس من لا يستطيع توفية احتياجاته الرئيسية التى تبقيه على قيد الحياة فحسب بل هو من لا يتمتع بالحد الأدنى من أنماط الاستهلاك السائدة فى المجتمع. وعليه فإن قياس الفقر بهذا الأسلوب يتم عن طريق تحديد نسبة مئوية من متوسط دخول الفرد بالدولة ومن يقل دخله الشهرى عن هذه النسبة يعتبر فقيرا على سبيل المثال قد يتم تحديد نسبة ٥٠٪ من متوسط الدخل كحد للفقر وبالتالى فإذا كان متوسط الدخل الشهرى بالدولة ٣٠٠٠ جنيه فإن كل من يقل دخله عن ١٥٠٠ جنيه شهريا يعتبر فقيرا. وكما هو واضح فإن هذا الأسلوب لقياس الفقر يراعى الجوانب الاجتماعية والنفسية للفرد ويهدف إلى تقليل اللامساواة وتدعيم مبدأ الدمج الاجتماعى social inclusion حيث من الممكن أن يتم تصنيف الفرد ضمن الفقراء حتى ولو كان قادرا على الوفاء باحتياجاته الأساسية لكنه غير قادر على التمتع ببعض السلع والخدمات التى يحصل عليها غالبية أفراد المجتمع والتى تختلف بطبيعة الحال من دولة لأخرى وتعتبر دول الاتحاد الأوروبى هى الأبرز فى الاعتماد على هذا الأسلوب لقياس الفقر.

***

بشكل شخصى أميل إلى الاعتماد على القياس النسبى للفقر ذلك أن الغرض الرئيسى منه هو الحد من اللامساواة ــ التى يراها الكثيرون من الاقتصاديين وعلماء السياسة والاجتماع أبرز ما يهدد استقرار المجتمع وسلامته ــ كما أنه يراعى الجوانب النفسية للفرد وينظر إليه باعتباره جزءا من المجتمع وليس كيانا بيولوجيا غايته الوحيدة هو البقاء على قيد الحياة. ولكن أعى جيدا التكلفة السياسية والاقتصادية التى تحول دون اتخاذ الحكومات قرارا بالتحول من القياس المطلق للقياس النسبى للفقر والذى قد يقفز معه عدد الفقراء إلى الضعف وما يتبع ذلك من مزيد من مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية. وقد يرى الكثيرون أن التوقيت والظروف الحالية فى مصر لا تسمح بالاعتماد على القياس النسبى للفقر، ولكن بغض النظر عن التوقيت يبقى الاقتناع بفلسفة هذا الأسلوب وضرورة الحد من التفاوت الرهيب فى الدخول والثروات والتباين الصارخ فى مستويات المعيشة هو المهم وقد سبق أن تناولت فى مقال سابق هذا الأمر مؤكدا على أن دعم الفقراء ومحدودى الدخل ليس من باب الشفقة والرحمة والتكافل فحسب بل لتحقيق مصلحة المجتمع ككل بمن فيه رجال الأعمال وأصحاب الثروات الذين يحتاجون إلى أيدٍ عاملة ماهرة ومدربة ومتعلمة وصحيحة بدنيا ونفسيا قادرة على التعلم والعمل واكتساب المهارات تساهم فى تعظيم الانتاجية والتنمية الاقتصادية.

محمد القرماني اقتصادى وزميل جامعة واشنطن للسياسات العامة
التعليقات