عقدة الخواجة! - محمد زهران - بوابة الشروق
الأحد 1 أغسطس 2021 3:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن أداء المنتخب الأوليمبي بعد الخروج من ربع نهائي أولمبياد طوكيو؟


عقدة الخواجة!

نشر فى : السبت 17 سبتمبر 2016 - 9:05 م | آخر تحديث : السبت 17 سبتمبر 2016 - 9:05 م
دائماً ما نتحدث عن الهوة الشاسعة بيننا وبين الدول الغربية (والشرقية فى بعض الأحيان) فى مجال العلوم فى العصر الحديث بل وامتد هذا الإحساس إلى جميع مناحى الحياة حتى أصبحنا نطلق عبارة "عقدة الخواجة" على انبهارنا بكل ما هو غربى من منتجات وعلوم، لنضع هذه العبارة على مائدة البحث ولنرى ماذا نستطيع أن نفعل حيالها، لنتكلم فقط عن المائة عام الأخيرة، الهوة شاسعة فعلا بين مصر وأوروبا فى مجالات العلوم بل وفى بدايات القرن العشرين لم تكن فى مصر جامعة بعد (بخلاف الأزهر طبعا)، هل معنى ذلك أن نكتفى بهذه "العقدة" ولا نفعل شيئا؟ العقدة معناها أن تشعر أنك أقل من الآخر وتستكين لهذا الشعور ولا تفعل شيئا وهذا أبعد ما يكون عما حدث فى مصر من الرعيل الأول للعلماء، أولا سافروا للخارج (أغلبهم كان إلى إنجلترا فى ذلك الوقت) وانبهروا بالتقدم العلمى هناك، ثم عادوا ليبنوا قاعدة علمية فى مصر، لنرى عدة أمثلة على هزيمة "عقدة الخواجة".

عندما أنشئت كلية العلوم بجامعة القاهرة بدأ البحث عن عميد للكلية، في ذلك الوقت كان الكثير من الأساتذة الأجانب تعمل في الجامعات المصرية فهل "عقدة الخواجة" دفعت الجامعة لتعيين عميد أجنبى؟ بسؤال نيل بور (Niel Bohr) الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عن أنسب من يتولى هذه المهمة كان رده: الدكتور على مصطفى مشرفة!

أثناء سيرك في شارع النزهة في مصر الجديدة ستجد شارع متفرع منه اسمه شارع أحمد رياض تركي، أتدرى من هو أحمد رياض تركي؟ إنه بكل بساطة وبكل فخر أبو الكيمياء في مصر، حاصل على الدكتوراه من جامعة ميونخ بألمانيا عام 1928 (وهذا كان سببا في بعض المضايقات له من الأساتذة الإنجليز في الجامعة المصرية آنذاك نتيجة للعداء بين إنجلترا وألمانيا في الحرب العالمية الأولى) ولكنه لم يعاني من عقدة الخواجة والدليل على ذلك هو عشرات الأبحاث التي نشرها كما أشرف على ترجمة المعجم العلمى المصور ثم أصبح عميداً لكلية العلوم عام 1953 ورئيس المعهد القومى للبحوث أيضاً عام 1953 (أنشئ عام 1939 وكان يسمى مركز فؤاد الأول الأهلى للبحوث ثم صدور القرار 533 لسنة 1953 بتغيير اسمه إلى المعهد القومى للبحوث ثم القرار 243 لسنة 1956 بإعادة تنظيمه وتغيير اسمه إلى المركز القومى للبحوث) ثم وزيرا للبحث العلمى عام 1963، نتيجة لكل ذلك حصل على جائزة الملك فاروق الأول عام 1948 ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1964.

المشهد الثالث في افتتاح نقابة الأطباء عام 1940 وكلمة أول نقيب للأطباء الطبيب العبقرى الأسطورة على باشا إبراهيم (والذي تحدثنا عنه في مقال سابق) بليغة للغاية وتكشف أنه حتى ومصر تحت الاحتلال وحتى مع وجود هوة كبيرة في التقدم العلمى بينها وبين العالم الغربى فإنه مازال بها نجوم ساطعة تحدوا عقدة الخواجة وأصبحوا هم عقدة للخواجة حتى وإن لم نسمع عنهم شيئا! فماذا قال الدكتور على باشا إبراهيم في حفل الافتتاح؟

قال (سأورد بعض المقتطفات فقط): "من الآن سنجتمع هنا فى أوقات الفراغ.. وهنا نتناقش فى فنون المهنة ونتحاور ويدلى كل منا بما استكشف وما استظهر وما قرأ وما درس وما دله عليه الاختبار وهداه إليه طول التجارب فهنا يضيف كل منا إلى عمله ومشاهدته واختباره وتجاربه علما ومشاهدات وتجاريب لا يكاد يحصيها العد فى حين لم يلق كدا ولم يعان جهدا ولم يفن زمنا. وليس من شك فى أن هذه الثروة الفنية التى نحرزها عفوا، أو من أيسر السبل إنما هى صدر مهم من هذا الجهد الذي أرصدنا أنفسنا له فى سبيل الإنسانية وفى سبيل العلم وفى سبيل الوطن. وإذ كان لى من السن ما يأذن لى بأن أزود أبنائى فى هذا المقام ببعض الوصايا فإننى أكتفى الآن منها بعشر وإن كانت دواعى العلم الحديث تستدعى منها الكثير: ينبغى أن نجعل نصب عيوننا أن العلم هو المقياس الوحيد لقيام هذه الدار. أن ننسى فى مجادلاتنا ومحاورتنا ومعاملاتنا كل عامل شخصي. كذلك نسقط فى كل أولئك كل فارق جنسى. ونهدر كل فرق طائفى. وألا ندخل فى حسابنا أى اختلاف دينى، ولا نجعل لاختلاف الأهواء السياسية أى اعتبار فى مقاصدنا الجسام".

بعد كلمة بليغة كهذه يجب أن نفخر بهؤلاء العلماء الذين أضاءوا القرن العشرين حتى وإن لم يعيشوا في مجتمع متقدم علميا.

نعم ما زالت هناك هوة كبيرة بيننا وبين العالم الغربى ولكن لا يجب أن نسمح لهذه الهوة أن تتحول لعقدة ولنأخذ الأمثلة الثلاثة التي ذكرناها كوسيلة للتحفيز وقهر عقدة الخواجة مهما كانت الظروف!
محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات