ممنوع التلاوة والترتيل - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 9 مارس 2021 11:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

ممنوع التلاوة والترتيل

نشر فى : الخميس 18 فبراير 2021 - 7:30 م | آخر تحديث : الخميس 18 فبراير 2021 - 7:30 م

في زمن غير بعيد لكن لا يقل بالتأكيد عن عشر سنوات كنتُ أزور بيروت الحبيبة، أحياناً كثيرة عندما أكتب كلمة بيروت تقفز على السطر تلقائياً صفة "الحبيبة" حتى تبدو وكأن هذه الصفة هي تتمة لاسم العاصمة التي تسكن ساكنها بأكثر مما يسكن هو فيها. كانت هذه البيروت الحبيبة في أبهى زينتها كعادتها في مثل ذلك الوقت من العام، عيد الميلاد المجيد يقترب والكل يتحضر لاستقبال المناسبة، مطار رفيق الحريري الدولي يبدو كخلية نحل والمغتربون في أركان الدنيا الأربعة يعودون لقضاء إجازة العيد مع الأهل والأحباب، رواج في الأسواق وأمل معقود على موسم سياحي ناجح والبشائر تبدو مطمئنة، زحام في كافيهات الشارع ودخان الأرجيلة يرسم عشرات الدوائر البيضاء الشفافة في الأجواء. في أحد الشوارع الخلفية خطف انتباهي هذا المشهد: حبل مرصع بعشرات اللمبات الملونة الصغيرة كمثل رؤوس الدبابيس يربط ما بين كنيسة ومسجد، ما هذا الجمال؟ أطلِق العنان لخيالك وانظر للحبل الممدود، فستراه من زاوية حبلاً للود ما بين صلاة لله وصلاة أخرى لله، وستراه من زاوية ثانية أرجوحة تتحضر لاستقبال وليد هو روح الله وكلمته التي ألقاها للعذراء مريم بنت عمران. هكذا كان لبنان، كان الجامع للديانات والمذاهب المختلفة في العائلة الواحدة فإذا ببيوت نحلة وبدر وبدران وأرسلان وتويني وبيضون وجلول... إلخ مُطعمَةٌ بشيعة وسنة وموارنة ودروز وفيها من كل بستان زهرة.
***
بطبيعة الحال قبل هذه السنوات العشر كانت هناك عوامل تعمل على تجريف التربة اللبنانية وتنخر في أسس العيش المشترك: الحرب الأهلية الطويلة، احتلال العراق الذي جاء بالاختراق الإيراني، العدوان على لبنان وما تلاه من استقطاب مذهبي، لكن بقايا التنوع اللبناني قاوم واستمر وعاش رغم كل شيء، وكان الحبل الممدود بين المسجد والكنيسة قبيل عيد الميلاد بعضٌ من تلك البقايا. هل تكفي المقدمة الطويلة السابقة لشرح حالي- وأظن حال كثيرين غيري- ونحن نشاهد ما جرى في عزاء لقمان سليم؟، ليت أن هذه المقدمة تكفي فصدمتنا بعدُ كبيرة. في يوم ٤ فبراير الجاري تم اغتيال لقمان سليم وهو عائد من جنوب لبنان إلى بيروت حيث يسكن مع أسرته في ضاحيتها الجنوبية، ولقد أثارت واقعة الاغتيال ردود أفعال واسعة لكونه من أشد معارضي حزب الله وسياساته الداخلية والخارجية. استقبلت أسرة سليم العزاء في منزلها وكان عزاء مميزاً شارك فيه الشيخ علي خليل بتلاوة القرآن، كما شارك فيه الراهب چان عقيقي بإنشاد ترتيلة، لكن المناسبة لم تمر بسلام. تعرض الشيخ الشاب لعاصفة من النقد بسبب تلاوته القرآن في عزاء سليم، واضطُر للاعتذار علناً في ڤيديو قال فيه "ما كان لازم أوقف وأقرا قرآن وأحط حالي بهذا الموضع اللي هو موضع شبهات... بس صدقاً ما كنت عرفان على مين عم باقرا، على هدا الإنسان اللي نحنا مش من طريقه ولا من خطنا ولا من المسيرة تبعتنا... باتمنى من كل العالم أنا غلطت ماعليه، العفو عند المقدرة، ماعادش حد يتداول أي شيء عن شخصيتي". هكذا نجد أن المرة الأولى التي نسمع فيها اعتذاراً من مقرئ عن تلاوته القرآن تكون هذه المرة في لبنان، وننتقل بذلك من تعايش أتباع الديانات المختلفة داخل نفس البيت وتحت سقف واحد إلى تكفير المختلف سياسياً حتى وإن كان ينتمي لنفس المذهب، وكأننا نقدم بذلك المبرر لكل الدواعش كي يتشفوا في الموت ويستبقوا يوم الحساب ويصنعوا صراطهم على طريقتهم. لقد خاف الشيخ الشاب أن يُقطع رزقه، وربما خاف مما هو أكثر من قطع الرزق، فمثّل علينا أنه غُرِر به ولم يعرف أي جثمان يتمدد أمامه، ثم طلب من الكل قفل الموضوع. لكن لا.. نحن لم نصدقك يا شيخنا فبيت سليم في حارة حريك بالضاحية الجنوبية معروف لك، ولم نقبل اعتذارك عن تلاوة القرآن فكتاب الله لا يُعتَذر منه، ونحن لم ننس أن في الموضوع جريمة قتل.. أن في الموضوع جريمة قتل.
***
صبراً صبراً فليس هذا كل شيء، فكأن مناسبة العزاء في لقمان سليم هي صندوق البنادورا الذي ما أن فُتِح حتى خرجت منه ثعابين كثيرة. اعترض فريق آخر على ذهاب الراهب چان عقيقي لتشييع جثمان سليم، واعترض بشكل أكبر على إنشاده ترتيلة "أنا الأم الحزينة" التي تقول كلماتها "أنا الأم الحزينة وما من يعزيها- فليكن موت ابنك حياة لطالبيها، أم يسوع قد بكت فأبكت ناظريها- فليكن موت ابنك حياة لطالبيها". وعلقت الرهبانية التي ينتمي إليها چان عقيقي على الأمر برمته بقولها "عقيقي لم يستحصل على إذن الرهبنة للمشاركة في مراسم التشييع أصلاً بل ذهب من تلقاء نفسه... ولو طلب منا الإذن للقيام بما قام به فلم يكن ليحصل عليه"، وأضافت إن ترتيل "أنا الأم الحزينة" في تشييع سليم "عمل ليس في مكانه أبداً"، وذلك لأن هذه الترتيلة ترتبط بأسبوع الآلام وبالجمعة العظيمة على وجه التحديد، وبالتالي فإن إنشادها في مناسبة عزاء سليم يتضمن إسقاطاً لا يليق. تباً لهذا المنطق العجيب الغريب فكيف بهم يدّعون أن الشخص الذي يتصف بالصبر يكون هو النبي أيوب، وأن الرجل المُسن الذي يُرزق بولَدٍ يتحول إلى النبي زكريا، وأن من تبكيه أمه الثكلي يصبح هو السيد المسيح؟ عقول عليها أختام وقلوب غليظة وصدور ضيقة حرجاً، بينما أن في الموضوع جريمة قتل.. في الموضوع جريمة قتل، فهل مازال بالإمكان مد حبلٍ من نور بين مسجد وكنيسة؟
***
ليكن لقمان سليم من يكون، وليكن الجدل حول علاقاته ومواقفه ما يكون، ليكن ممن يسميهم البعض بشيعة السفارات أو ينتمي لأصحاب الرأي الحر كما يسميه البعض الآخر، لكن ما حدث بمناسبة تشييعه لا يمت بصلة لا للإنسانية ولا للبنان.. أبداً لا يمت لهما بصلة.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات