الديناصورات تكره الإنترنت - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 18 سبتمبر 2019 12:00 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



الديناصورات تكره الإنترنت

نشر فى : السبت 18 يونيو 2016 - 8:40 م | آخر تحديث : الأحد 19 يونيو 2016 - 11:02 ص

انشغل الناس أخيرا بزيارة توماس بيكيتى للقاهرة، وهو أستاذ الاقتصاد الأشهر فى العالم حاليا وصاحب كتاب «رأس المال فى القرن الحادى والعشرين»، ولم يلتفت الكثيرون إلى وجود زوجته ــ جوليا كاجيه التى صحبته فى الرحلة وهى تدرس أيضا الاقتصاد بأرقى كليات باريس، وصدرت الطبعة الإنجليزية لكتابها الهام حول اقتصاد الصحف فى أبريل الماضى، بعنوان: «إنقاذ الإعلام.. رأس المال والتمويل الجماعى والديمقراطية (Saving the Media: capitalism، crowfunding and democraty).


تحاول الباحثة فى هذا الكتاب الذى نشر قبل عام بالفرنسية، تقديم نموذج مختلف للتمويل والحوكمة قد يساعد الميديا فى درء الأخطار التى تواجهها، خاصة بعد سيطرة رجال الأعمال والمجموعات الاقتصادية العملاقة على العديد من التجارب الصحفية التى أرادها أصحابها مختلفة وجريئة فى البداية، إلا أن مغامراتهم لاقت العديد من الصعوبات فى السنوات الأخيرة، بسبب الأزمات المالية وتراجع الإعلانات.


●●●


بمرور الوقت فهم الصحفيون أن التسيير الذاتى على غرار جريدة لوموند الفرنسية هو حلم أشبه بالمدينة الفاضلة، وبالتالى تطرح كاجيه فكرة للتمويل تقف فى منطقة وسط بين منطق الشركات المساهمة كما هو متبع فى بلدها فرنسا فى كثير من الأحيان ومنطق المؤسسة القائمة أحيانا على وقفية كما هو حاصل بالنسبة لصحيفة الجارديان البريطانية.

توصف وتحلل العديد من المشكلات التى تلاقيها الميديا حاليا وفى السابق، معتمدة على أرقام ومعلومات دقيقة تتعلق بالتوزيع وظروف الإنتاج والخسائر والمكاسب ودعم الدولة وخلافه، فهذه البيانات متاحة ولا تعتبر من الأسرار الحربية مثلما فى مصر، بل هى ضرورة إذا ما أردنا دراسة السوق الإعلامى بشكل فعال.


وتوضح كذلك أننا مستمرون فى التفكير بطريقة قديمة للتعامل مع واقع متغير، لذا لا نصل إلى نتائج مرضية، بل ننسى فى غمرة الأحداث أن الصحافة مهنة حقيقة لا غنى عنها للديمقراطية.

وتراهن بدرجة كبيرة على دور القارئ أو المتلقى الحريص على أن يحصل على خدمة جيدة فى أن يدفع مقابلها، بل ويساهم فى تمويل صحيفته المفضلة ليضمن استمرارها واستقلالها، فالمستقبل سيكون حتما للمحتوى مدفوع الثمن، دون الاعتماد على وهم الإعلانات (لأن أزمتها ستستمر بحكم المنافسة وتعدد الوسائل والوسائط المطروحة فى السوق)، دون الاعتماد على المساعدات التى قد تقدمها الدول.


وفى الجزء الأخير من كتابها، تفصل لنموذج الشركة الإعلامية الغير هادفة للربح وكيفية تأسيسها وإدارتها كما تتصورها، حتى لا يسيطر طرف على أغلبية الأسهم أو الأصوات، وبالتالى يتحكم فى اتخاذ القرار وسياسة الجريدة.

تتعرض أيضا لإمكانية تطبيق هذا النموذج فى ظل القوانين الأوروبية والغربية عامة وللامتيازات الضريبية التى يكفلها وضع الجريدة أو الموقع تحت الإنشاء عند اعتباره جزءا من منظومة اقتصاد المعرفة، هذا الفرع الذى استحدث فى القرن الحادى والعشرين والقائم على المعرفة الفنية والإبداع والمعلومات وتكنولوجيا الاتصالات إلى ما غير ذلك. لذا فجوليا كاجيه تقارن دوما بين وضع الصحيفة أو المؤسسة الإعلامية ووضع الجامعات، خاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصلت على الدكتوراه من هارفارد قبل بضعة سنوات.


●●●


بحكم الجيل، فهى من مواليد عام 1984، وقطعا الدراسة المتخصصة، تختلف لهجة جوليا كاجيه ونمط تفكيرها عن هؤلاء الذين يتحدثون ليلا نهارا عن الإعلام فى بلادنا وهؤلاء الذين يقومون بصياغة قوانينه. بغض النظر إذا ما كان طرحها قابلا للتنفيذ فى مصر أم لا، ومدى الصعوبات التى قد تواجهه فى أوروبا، وبغض النظر عن إمكانيات تطبيقه على صحف أكبر حجما من بعض المواقع الإخبارية الصغيرة، إلا أن فى كلامها ما يجعلنا نشعر أننا نعيش وسط ديناصورات ضخمة وغير ذكية، ديناصورات تخشى الإنترنت، جميعها تخاف من الإنترنت، رغم تعدد أجناسها التى تصل إلى ألف نوع واختلاف أشكالها وأحجامها.

وعند متابعة الجدل حول قانون تنظيم الصحافة أو التعديلات المقترحة بهذا الشأن أو تصريحات البعض أشك فى أن هذه الزواحف القديمة المتحجرة، التى من المفترض أنها انقرضت منذ نحو 65 مليون سنة ولم تعد موجودة سوى فى أفلام الرسوم المتحركة، ستختفى يوما من مصر، بل قد تحول حياتنا إلى حكاية خرافية تعيسة.

ربما ضخامة جسم الديناصور تعوق حركته وتؤثر على التفكير، فيبدو منفصلا تماما عما يحدث فى العالم. انظر لديناصورات أيامنا وأعرف مسبقا ما سيقولونه، فقد حفظنا الكلام وطريقة التفكير عن غيب. وعموما ليس من العقل أن نتوقع من لاعبين تقليديين، سواء فى الاقتصاد أو السياسة أو الصحافة، أن يأتوا بجديد.

أتوقف طويلا عند رمزية الصدام بين عقليتين مختلفتين تماما فى مقاربة مستقبل الصحافة، بل فى تصور المستقبل عموما، وهو يحتاج للكثير من الابتكار والثورة.

التعليقات