** عنف، إثارة، دراما، انسحاب، ضربة جزاء ضائعة، حلم عمره نصف قرن ضاع، فوضى لا مثيل لها، توقفات لإصابات، احتجاجات من اللاعبين، اشتباكات ودفع من دكتى البدلاء، وفوضى امتدت إلى المدرجات. القول أن هناك حالة من الهياج فى الدقائق التالية سيكون أقل من الحقيقة ساديو مانى ينقذ فريقه من الانسحاب بسلوك رياضى يضعه فى مصاف الأبطال الرياضيين أصحاب الأخلاق الرفيعة، تدخل الحاج ضيوف وكلودلورا ساهم فى إنقاذ المباراة النهائية.. ثم توج منتخب السنغال بكأس الأمم الإفريقية للمرة الثانية فى تاريخه.. واستمرت الفوضى ولم تتوقف، إذ وقعت اشتباكات بين صحفيين مغاربة وسنغاليين فى المؤتمر الصحفى. وتم إلغاء المؤتمر.
** كان منتخب المغرب على مسافة دقيقة من تحقيق حلم طال انتظاره نصف قرن، بإحراز كاس إفريقيا للمرة الثانية بعد المرة الأولى عام 1976. وفى لحظة دراية قاسية ولا تصدق، أهدر إبراهيم دياز ضربة الجزاء، التى لعبها بطريقة بانينكا، وكانت لعبة وتسديدة ضعيفة أثارت الشك كأنه تعمد إهدارها، هكذا خيم الشك على كل شىء، هذه هى كرة القدم. غالبًا ما تكون قاسية. أضاع دياز فرصة العمر وهدف العمر ومجد العمر.
** عاشت كرة القدم وازدهرت بالشك فى نهايتها وبتلك الدراما المذهلة فلو كتب مؤلف ما جرى فى نهائى كاس الأمم الإفريقية 35 لاعتبر السيناريو خيالا واسعا ومبالغة كانت هذه، بإجماع عام، بطولة خالية من المفاجآت الصارخة، البطولة الأقل إثارة والأكثر قابلية لمساراتها فى تاريخ كأس الأمم الإفريقية فى الذاكرة الحديثة. وقد كان هذا صحيحًا، حتى الدقيقة الثامنة من الوقت بدل الضائع من المباراة النهائية، عندما تسبب قرار حكم الفيديو المساعد فى إنتاج نهاية عبثية لأى نهائى كبير فى التاريخ. فازت السنغال باللقب، لكن هذه تفصيلة صغيرة فى النهاية المثيرة التى شهدتها المباراة. فقد شهدت انسحابًا احتجاجيًا، وإضاعة ركلة بانينكا، وهدفًا رائعًا من بابى جاى.
** اُعتبر منتخب السنغال أحد أفضل المنتخبات فى تاريخ كرة القدم الإفريقية. فإلى جانب فوزه بكأس الأمم الإفريقية عامى 2021 و2025، خسر نهائى 2019 أمام الجزائر، وهزم بركلات الترجيح أمام منتخب كوت ديفوار، الفائز باللقب، عام 2023. لكن طبعا منتخب مصر هو الأفضل فى التاريخ حتى الآن، حامل اللقب 7 مرات، حامل كل الأرقام القياسية، وبطل 2006 و2008 و2010.. المهم هل هناك شىء من كرة القدم يستحق التسجيل أو التعليق غير مشهد الفوضى؟ نعم قليل من كرة القدم وأبطالها. أولهم ساديو مانى بأخلاقه الرياضية الرفيعة. وبابى جاى صاحب الهدف الذى منح أسود التيرانجا اللقب الثانى، وياسين بونو حارس المغرب والهلال السعودى الذى أنقذ مرماه بتصديات مذهلة منحته لقب الحارس الأول فى البطولة وفى إفريقيا.
** نصف نهائى هذه البطولة كان مليئًا بالحسابات التكتيكية، ونال الإشادة على الصلابة الدفاعية أكثر من الطموح الهجومى. أنصار الكرة الجميلة يقولون إن الملل لا وجود له فى كرة القدم، لكن المحايدين كانوا يملكون أسبابًا وجيهة لتوقع نهائى حذر ومغلق. ويمكن القول إن المباراة النهائية كانت بطيئة الإيقاع. بسبب العنف والالتحامات تقف أكثر مما تجرى، وحين يجرى اللعب، يمضى سريعا، ومثيرا، ويتابع الملايين المباراة عبر الشاشات بأنفاس مكبوتة ومكتومة، وقد بدت كأنها مبارزة فى على مسرح الكوليزيوم الإيطالى، وسط صيحات صاخبة من أكثر من 60 ألف مشجع بقمصان حمراء حضروا للاحتفال بالمجد المنتظر وخرجوا بانكسار لا يتوقع ولا يصدق.
** بعد هدف بابى جاى اندفع منتخب المغرب إلى الهجوم، وفتحت المساحات فى خطوطه، ومارس السنغاليون كل ألوان التهديد والخطر والفرص، وقد كانت سياسة السنغال طوال هذه البطولة هى عدم المبالغة فى الهجوم، وعدم المخاطرة بالاستحواذ على الكرة، على افتراض أن أحد مهاجميها المميزين، أو إحدى الكرات الثابتة، أو خطأ ما، سيخلق فرصة فى النهاية. وهذا بالمناسبة حدث فى مباراة المنتخب مع أسود التيجرانجا؟
** هذا نهائى لا مثيل له فى تاريخ كرة القدم الإفريقية، ووصف الركراكى مدرب السنغال بأنه عار على اللعبة، إلا أننى أتوقف أمام سلوك ساديو مانى، فعند أخلاق الأبطال وقيم الرياضة يجب أن نتوقف جميعا ونتأمل شجاعة الفرسان وقيم الروح الرياضية، ربما لم تكن هناك كرة القدم فى زمن فلاسفة الأخلاق، لكن ساديو مانى أنقذ نهائى الأمم الإفريقية من فوضى لا مثيل لها، فوضى دفعت كرة القدم خارج الملعب، وباتت هى المشهد والذاكرة لهذا النهائى المثير والتاريخى؟
** مبروك لأسود التيرانجا الفوز بكأس إفريقيا للمرة الثانية، وكل التحية للفارس ساديو مانى؟