والحرب الأمريكية الصينية مستمرة... - ماجدة شاهين - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 6:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

والحرب الأمريكية الصينية مستمرة...

نشر فى : الأربعاء 19 أغسطس 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 19 أغسطس 2020 - 8:20 م

إن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ليست وليدة الأمس، بل ترجع إلى منتصف الثمانينيات عندما تقدمت الصين بطلب الحصول على عضوية فى اتفاقية الجات (سلف منظمة التجارة العالمية) فى عام 1985، عندما كانت لاعبا صغيرا ولكن دولة كثيفة السكان ذات إمكانيات كبيرة فى الاقتصاد العالمى. واستمرت المفاوضات حتى عام 2001، أى ما يزيد عن خمسة عشر عاما، مرورا بأربع رؤساء للولايات المتحدة بدءا من رونالد ريجان إلى جورج بوش الأب ثم بيل كلينتون وأخيرا جورج بوش الابن. ولم يكن عندئذ الخوف من الصين كقوة اقتصادية بقدر ما كانت الإدارات الأمريكية المتتالية ترغب فى تغيير النظام الاقتصادى بالصين وفتح السوق الصينى على مصراعيه للمنتجات الأمريكية مقابل السماح لها بالانضمام إلى المنظمة. ورضخت الصين لأنها كانت على بينة من أنها المستفيد الأخير، واستفادت الصين الكثير من انضمامها إلى المنظمة، غير أنه منذ ذلك الحين وعملية الشد والجذب بين الدولتين لم تهمد.
وبدخول الانتخابات الأمريكية مرحلتها الأخيرة، أراد الرئيس الأمريكى ترامب تصعيد الخلاف مع الصين، على اعتبار أنه يمثل أحد الأوراق الرابحة والتى يمكن الدفع بها تحجيما للمارد الصينى. فالتصور الأمريكى السائد والذى يقوم الرئيس ترامب بتشجيعه يوما بعد آخر هو أن الصينيين كانوا يغشون منذ البداية، فلم يتراجعوا عن سرقة حقوق الملكية الفكرية للشركات الأمريكية وقاموا بدعم الصلب والألمنيوم بشكل غير قانونى عن طريق المغالاة فى خفض قيمة عملتهم كما أن رخص العمالة ساهم أيضا فى نجاح الصين غير المسبوق فى جذب الاستثمارات وعمليات التصنيع داخلها، مما ضاعف معدلات البطالة بالولايات المتحدة لتصل إلى 3 ملايين أو أكثر.
***
هذا، ويؤمن الكثيرون بصحة تحرك الرئيس الأمريكى ويطالبونه بعدم التراجع، وهو اليوم الشاغل الأكبر له فى ظل الانتخابات العارمة التى يخوضها. وقام مستشار الأمن القومى الأمريكى روبرت أوبراين بتشبيه الحزب الشيوعى الصينى بمنظمة ماركسية والرئيس الصينى بخليفة ستالين، ومن ثم لا يستبعد بعد هذا التصعيد التحول إلى حرب باردة فعلية، كإحدى السيناريوهات التى يبتكرها الرئيس الأمريكى والتى تجد صداها الإيجابى لدى مؤيديه.
ويتباهى ترامب بفوزه المعركة الأولى فى الحرب التجارية مع الصين باعتباره صانع الصفقات، وأن ما حققه من صفقة فى يناير 2020 مع الصين يحسب له، حيث تتضمن التزاما صينيا بشراء 200 مليار دولار إضافية من البضائع الأمريكية فوق مستويات عام 2017 حتى نهاية عام 2021. غير أن ما اعتبره الرئيس ترامب أحد أنجح الصفقات خلال فترة رئاسته، يرى الكثيرون أنه كان من الأدعى بدلا من إلزام بكين بزيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية الأمريكية مطالبتها بإصلاحات هيكلية أكثر فائدة للشركات الأمريكية والاقتصاد الأمريكى ككل. وتخشى الإدارة الأمريكية عدم التزام الصين بهذه الصفقة وعدم التزامها بالإصلاح أسوة بما سبق، ولذا يكون الرئيس الأمريكى محقا فى سياسته الهجومية. ولم يكتف على نحو ما نعلم جميعا بحرب تجارية ضد الصين بل بادر باتهامها بأنها صانعة وباء الكورونا، عندما سعت إلى تطوير سلاح بيولوجى جديد. كما أن الرئيس الأمريكى يدعى أن الصين كان بإمكانها وقف انتشار الفيروس لكنها تغاضت عمدا عن ذلك وقامت بنقل الحرب إلى داخل الأراضى الأمريكية وعدم الاكتفاء بحرب تجارية حدودية.
ويسعى مدير الحملة الانتخابية بيل ستيفن، الذى كان مديرا لحملته فى 2016 وأتى به ترامب من جديد قبل الانتخابات بأربعة أشهر، يسعى إلى إعادة هيكلة رسالة الحملة وتصحيح مسارها بعد تدهورها فى الأسابيع الأخيرة إلى مستويات متدنية فى أغلب الولايات. فسوء إدارة الرئيس الأمريكى للحرب ضد جائحة كورونا والبطالة الناجمة عن الإغلاق القسرى ثم الاندفاع نحو إعادة فتح الاقتصاد قبل الأوان وموقفه إزاء مقتل جورج فلويد (الأمريكى الأسود) على يد أحد رجال الشرطة البيض ووصف المظاهرات التى تبعت هذا الحدث بالهمجية والبربرية، فقد أدى ذلك كله إلى فقدان الرئيس ترامب كثير من الأصوات، لا سيما من بين صفوف الناخبين المتأرجحين الذين سبق أن حققوا له النجاح فى 2016. وآثرت حملة ترامب إلصاق تهمة «اليساريين» لجميع المتظاهرين غير مبالية ما إذا كان معظمهم سلميين ولا يهمها الأسباب التى حدت إلى اندلاع مثل هذه المظاهرات فى جميع أنحاء البلاد. ويؤمن الرئيس ترامب ومؤيدوه أنه إذا استمر العنف ــ على نحو ما يدعو مدفوعا من اليسار ــ فإن ذلك يرجح حتما إعادة انتخاب ترامب.
وتؤجج هذه المشاعر مضاعفة العداء ضد الصين فى الولايات المتحدة لتصل إلى ذروتها وتسهم فى صرف الانتباه عن سوء تعامل الإدارة الأمريكية مع الوباء والاقتصاد. وتقدم الصين هدفا سهلا، لا سيما فى ضوء تصرفها فى هونج كونج، الذى لقى انتقادات واسعة النطاق. فضلا عما أصدره أخيرا الرئيس دونالد ترامب من أمر تنفيذى بمنع الشركات الأمريكية من التعامل مع برنامج «We Chat»، الذى أصبح جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية بالصين. فبينما ما زال غير معروفا كيفية تنفيذ أمر الحظر، فإن هذا الأمر فى حد ذاته يهدد بقطع خط الاتصال الرئيسى بين الصين وبقية العالم ومنع الشركات الأمريكية من الوصول إلى المستهلكين فى ثانى أكبر اقتصاد فى العالم. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لا يبرر الانجراف إلى حرب باردة، على نحو ما يرجحه البعض فى كل من البلدين.
***
يزعم المعلقون المقربون من إدارة ترامب أن الصين تسعى للهيمنة على العالم، والإحلال محل الولايات المتحدة كقوة عظمى، وتشكل تهديدا للولايات المتحدة نفسها. وهذا يشكل خطرا غير مقبول على حلفاء الولايات المتحدة فى جنوب شرق آسيا ويهدد السيادة الأمريكية على الصعيدين الإقليمى والدولى. وفى الواقع، لم تظهر الصين على الأقل حتى الآن طموحات توسعية والرغبة فى الهيمنة، اللهم إلا فى منطقتها. وطبيعى أن تشعر الصين بقوتها المتزايدة وليس لديها أية نية للتخلى عن مطالبها الإقليمية أو الظهور بموقف ضعيف أمام الولايات المتحدة وقبول أى تدخل فيما تعتبره شئونها الداخلية. فإن الإصرار المتزايد للصين على حقوقها فى بحر الصين الجنوبى واعتبار هونج كونج شأنا داخليا لا يبشر باحتمال التهدئة فى المستقبل القريب. وهناك أسباب تحدو بالصين إلى المزايدة على الإدارة الأمريكية، خاصة فى وقت تتضاءل فيه إمكانات القيادة الأمريكية.
وباختصار، تدعو السياسات الداخلية الصينية إلى انتقادات شديدة على الصعيدين الإقليمى والدولى. ومع ذلك، قد نضطر إلى الانتظار حتى ما بعد الانتخابات قبل أن نتمكن من إجراء نقاش منطقى حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخوض حربا باردة ضد الصين ومدى استجابة الصين واستعدادها للرد بالمثل. وعلى الرغم من أن أزمة الجائحة قد أثارت مواجهة صينية أمريكية أكثر شدة، فلم يفت الأوان لإنقاذ الموقف. فإن وقف التصعيد بلا شك يصب فى مصلحة الجميع على المدى الطويل، ليس أقلها مصلحة الولايات المتحدة والصين.
ويتعين على كل من الصين والولايات المتحدة خدمة لمصالحهما تبنى نظرة أكثر شمولا ومنظورا يستلزم وقف التصعيد والتعاون. وللأسف يبدو، فى الوقت الحالى، أنهما بدلا من ذلك تقوم كل واحدة بالمزايدة على الأخرى. بيْد أنه فى حالة فوز جو بايدن، المنافس الديمقراطى للرئيس دونالد ترامب، فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة فى نوفمبر، يمكننا على الأقل توقع إعادة كل دولة حساباتها من جديد وحدوث تحول فى النبرة اعترافا بالمصلحة والاعتماد الاقتصادى المتبادل بين الصين وأمريكا لصالح البلدين معا والتجارة الدولية.
مساعد وزير الخارجية الأسبق للعلاقات الاقتصادية الدولية

ماجدة شاهين مساعد وزير الخارجية للعلاقات الاقتصادية الدولية (سابقاً)
التعليقات