المخابئ بين موت ورجاء - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 23 مايو 2024 5:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

المخابئ بين موت ورجاء

نشر فى : السبت 20 أبريل 2024 - 8:40 م | آخر تحديث : السبت 20 أبريل 2024 - 8:40 م

الأغنياء والفقراء، القضاة والمتهمون، الحراس واللصوص، كلهم يهرعون إلى المخبأ حين تنطلق صافرات الإنذار. فقدوا متعة أن يعود المواطن إلى بيته فى المساء ويستلقى على الأريكة لمتابعة التليفزيون وهو يشعر بالأمان. هذا حال الناس أثناء الحروب حين يتخذون من الجحور مستقرًا، وأحيانًا لا يعود أحد ممن خرجوا معهم. يخبرونهم فى البداية أن وجودهم فى المخابئ عابر، ثم تدور الأيام ولا يتبدل سوى هوية القادمين. لا الذين فوق يعرفون ماذا يجرى تحت، ولا الذين تحت يعرفون ماذا يجرى فوق. وبخلاف الرعب من فقدان الأحبة وضياع الحياة، تفيد معظم شهادات من مروا بتجارب مماثلة أن أصعب ما اختبروه هو عدم القدرة على التخطيط للمستقبل وانتظار المجهول فى كل لحظة.
نرى الإسرائيليين على الشاشات وهم يهرولون نحو المخابىء بين وقت وآخر، للاحتماء من الصواريخ التى لم تسقطها القبة الحديدية، على أمل أن تسير الأمور على ما يرام. الغرف المحصنة أصبحت شرطا ملزما فى كل المساكن الجديدة على عكس المبانى الأقدم، أما الفلسطينيون فيجرون فى العراء هربا من الموت بما أنه لم يعد هناك ملاذ آمن فى غزة.
حماس تستخدم شبكة من الأنفاق السرية التى حفرتها للاختباء وشن هجمات على قوات الاحتلال، ويطلق عليها أهالى القطاع «المدينة الأرضية»، فى حين تسميها إسرائيل «مترو حماس» أو «مترو غزة» وقد استهدفتها مرارًا بالقصف والتدمير إلا أنها لم تنجح فى القضاء عليها. إنها متاهة واسعة من الأنفاق يصل عمق البعض منها إلى 30 أو 40 مترًا تحت الأرض، بحسب التقارير الإخبارية، تساعد فى شن الهجمات وتخزين الصواريخ والذخيرة، وتضم مراكز قيادة الحركة، بعيدًا عن أعين الطائرات ومسيرات الاستطلاع. هذه الشبكة من الأنفاق موصلة بالكهرباء والكابلات الهاتفية ومبطنة بالخرسانة، وتحتوى على بنية تحتية للتهوية والصرف الصحي، ويمكن لقاذفات الصواريخ المخبأة بداخلها أن تطلق النار من خلال نظام يسمى «الباب المسحور» ثم تختفى مرة أخرى.
* • •
حركة المقاومة الإسلامية تعرف مداخل ومخارج مدينتها السفلية عن ظهر قلب، فهناك وحدة مستقلة عن بقية تشكيلات كتائب القسام مخصصة لحفر الأنفاق، بنوعيها الدفاعية والهجومية، وفق خطة دقيقة وخرائط موجودة فى حوزة القيادة. استلهمت الفكرة على الأرجح من المقاتلين الصينيين الذين لجأوا إليها بكفاءة خلال الاحتلال اليابانى لأراضيهم من منتصف الثلاثينيات إلى منتصف الأربعينيات، ثم استخدمها اليابانيون أنفسهم ضد القوات الأمريكية حين غزت جزيرتهم مع نهاية الحرب العالمية الثانية. استخدمها أيضًا مقاتلو «الفيت كونج» أو الحركة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام بين 1954 و1976 ضد الجيش الأمريكي، ومن قبله الفرنسي، ما اضطرهما إلى تشكيل فرق متخصصة فى حروب الأنفاق تضم جنودًا قصيرى القامة وسريعى الحركة، وأطلق على هؤلاء الجنود «فئران الأنفاق».
هى إذن وسيلة فعالة فى المقاومة استعملت منذ العصور القديمة فى عهد المملكة الآشورية بالعراق ومن جانب الرومان والفرس الذين كانوا يحفرون تحت القلاع والحصون لمنع محاولات التسلل والاقتحام، واستمر المحاربون عبر العصور فى اعتمادها لأنها تمكنهم من الظهور والاختفاء المفاجئين، أى صمدت الأنفاق فى اختبار الأزمنة.
* • •
خطوات قليلة إلى أسفل ونصل إلى عالم خفى. لا فرق فيه بين الليل والنهار. يتحدث الكثيرون ممن خاضوا التجربة عن الصمت والظلام اللذين يسودان ملاجىء الحرب. رونالد ميش كان ضمن هؤلاء، فقد لازم هتلر فى مخبئه تحت الأرض بمدينة برلين عام 1945. أمضى ميش مع الزعيم النازى خمس سنوات كحارس شخصى وعامل تليفون وحامل رسائل، وتوفى عام 2013 عن عمر يناهز 96 عامًا. رغم إصراره على أن الأمور كانت أقل مأساوية مما أظهره المؤرخون فى كتاباتهم، لكنه شدد على أن الهدوء كان أسوا ما فى الموضوع. وصرح فى مقابلة أجرتها معه وكالة رويترز: "الجميع كانوا يتهامسون ولا يعلم أحد لماذا. لهذا شعرت أنه مخبأ الموت".

أجواء شبيهة تسيطر على مخبأ الرئيس الحالى لأوكرانيا، الواقع فى منطقة المقرات الحكومية بكييف، حيث لا نور ولا نوم بحسب ما قاله فى صحيفة التايمز أحد المسئولين الذين رافقوا زيلينسكى بأوامر من الجيش فى فترات القصف المستمر وعمليات الاستهداف المباشر: «أنت لا ترى الشمس، ولا تعرف الوقت، لم أرغب فى البقاء هنا لفترة طويلة. كانت الخطة الأولية هى البقاء تحت الأرض لمدة أسبوع، لكن الأحداث فى الخارج تسببت فى تغييرها».
* • •
مع الوقت قد تتحول مخابئ الزعماء والقادة إلى مزارات فى بعض البلدان. ويظهر هواة تتبع مواقعها جغرافيا على سبيل المغامرة، مثلما هو الحال بالنسبة لمخبأ موسولينى إبان الحرب العالمية الثانية، حيث احتمى هو وأسرته من قصف قوات الحلفاء، بمنطقة فيلا تورلونيا فى روما. ممرات وسلالم وأنفاق لاتزال موجودة أسفل متنزه عام بعيدا عن صخب العاصمة الإيطالية، وهو ما قد نعثر عليه أيضا فى دول أخرى انتشرت فيها مثل هذه الملاجىء المحصنة خلال سنوات الحرب الباردة خشية وقوع محرقة نووية. لكن حاليا نظرا لضراوة الأحداث الجارية فنحن لا نملك ولو حتى تَخيُّل مثل ذلك الترف، بل ننصرف إلى ضمائرنا ونحلل التقارير الواردة من هنا وهناك. نجمع المعلومات ونربط هذا بذاك لنصل إلى الأسباب التى أوصلتنا لهذا الطريق المسدود أو بالأحرى هذا المأزق التاريخى الذى لا يُبرئ أحدًا ولا يستثنى أحدًا. ونجد أنفسنا فى ممرات وأنفاق ودهاليز نتوه فيها ونشقى.

التعليقات