حظر المشاهير.. مطالب إنسانية فى عالم الخوارزميات - صحافة عربية - بوابة الشروق
الخميس 20 يونيو 2024 7:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

حظر المشاهير.. مطالب إنسانية فى عالم الخوارزميات

نشر فى : الإثنين 20 مايو 2024 - 7:00 م | آخر تحديث : الإثنين 20 مايو 2024 - 7:00 م

الاضطرابات السياسية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واستهتار الحكومات بالمطالب العامة، دفعت الناس باستمرار إلى ابتكار أشكال جديدة من الاحتجاج. وعندما يرى الأفراد أن صرخاتهم المطالبة بالتغيير تلقى التجاهل أو تقابل بالعنف، كما يظهر التاريخ مرارًا وتكرارًا، يقدمون على الانتقام من خلال تعطيل النظام الاقتصادى. بعد أن تعلموا الدروس القاسية للرأسمالية، وأن الدولار يأتى أولًا والبقية مجرد أضرار جانبية، بدأ الناس فى مقاطعة المؤسسات والشركات التى تعرقل مطالبهم، بشكل مباشر أو غير مباشر. رغم أن الحكومات أعلنت على مدى عقود من الزمن أن هذه المقاطعات غير فعالة، زاعمة أنها لا تسبب الضرر المقصود وتلحق الأضرار بشكل أساسى بالشعوب من خلال خفض الوظائف وإغلاق الشركات.

ومع ذلك، فإن ردود أفعال أسواق الأسهم العالمية والتعديلات اللوجستية الكبيرة التى تجريها الشركات ردًا على هذه المقاطعات تشير إلى عكس ذلك. مع تصاعد وتيرة الصراع فى غزة، ووصول الخسائر فى صفوف السكان المدنيين إلى مستويات غير مسبوقة فى الحروب الحديثة، تستمر المقاطعة على قدم وساق. وقد تأثرت بشكل خاص الشركات المعروفة بدعمها لإسرائيل، مثل «ستاربكس» و«ماكدونالدز»، حيث شهدت انخفاضًا كبيرًا فى المبيعات، وتراجعت قيمة أسهمها، ولحقت أضرار دائمة بسمعة علامتها التجارية بشكل قد لا يمكن إصلاحه.

وردًا على ذلك، حاولت هذه الشركات تغيير علامتها التجارية من خلال إنشاء هويات جديدة تنأى بها عن شركاتها الأم، بهدف التخفيف من الخسائر التى تكبدتها علاماتها التجارية التى كانت تحظى بالاحترام فى السابق. وفى الوقت نفسه، تواجه الجامعات فى جميع أنحاء العالم واحدة من أصعب المعضلات، حيث تقاوم احتجاجات طلابية تناشد بسحب الاستثمارات من الشركات المتواطئة فى دعم ما تقوم به إسرائيل من إبادة فى غزة. حيث فى الولايات المتحدة، تجمع الجامعات المليارات على شكل هبات من كيانات لها علاقات عميقة الجذور مع إسرائيل، ما يجعل سحب الاستثمارات شبه مستحيل. وحتى الآن، وافقت كلية إيفرجرين الحكومية فقط على سحب استثماراتها من إسرائيل، وهذا يسلط الضوء على التشابك العميق للنظام التعليمى الأمريكى مع الشئون السياسية. لقد تجاوز الصراع فى غزة حاجز الـ200 يوم، حيث اتسم بالعديد من الهجمات التى تم تصنيفها على أنها جرائم حرب، فضلًا عن التجويع المتعمد للسكان المدنيين من خلال عرقلة المساعدات الدولية. ونتيجة لذلك، اشتدت الاحتجاجات، وأصبحت ردود الفعل أكثر قوة، وتحولت المقاطعة إلى «حظر».

«حظر المشاهير»، هو المصطلح الذى اعتمده مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعى لانتقاد المشاهير لعدم تحركهم تجاه الأزمة الإنسانية فى غزة، وذلك بهدف تهديد أرباحهم عن طريق خسارة متابعين على منصات التواصل الاجتماعى مثل «إكس» و«إنستجرام» و«تيك توك». إن حظر شخصية شهيرة على هذه المواقع يؤثر على حسابها بشكل أكبر من مجرد إلغاء المتابعة، حيث يعيق تقدم خوارزمية الحساب، ويقلل من وصولها إلى متابعين أكثر. نشأت حركة «الحظر» ردًا على حفل «ميت جالا» (حفل سنوى ضخم لجمع التبرعات لصالح معهد آنا وينتور للأزياء فى متحف المتروبوليتان للفنون فى مدينة نيويورك)، حيث سار المشاهير المزينون بالمجوهرات على السجادة الحمراء بفساتين باهظة الثمن، متباهين بما اعتبره الآخرون عالمًا موازيًا يناقض الواقع اليومى الذى يعيشه معظم الناس.

وفى الوقت الذى تواجه فيه الجامعات الأمريكية الاضطرابات واستمرارية الإبادة الجماعية فى غزة، كان من المفترض أن ينصب الاهتمام على حفل «ميت جالا»، ومع ذلك، جاء هذا التركيز بنتائج عكسية، أدى إلى ولادة حركة حظر المشاهير (#blockout) وشهد المشاهير فى جميع أنحاء العالم انخفاضًا كبيرًا فى أعداد متابعيهم - على غرار الانخفاض فى أسهم الشركات التى تمت مقاطعتها - حيث فقدوا مئات الآلاف من المتابعين فى الساعة، ما وجه ضربة كبيرة إلى صورتهم العامة ووضعهم المالى.

فى السابق، كانت وسيلة التعبير الوحيدة للفنان أو الفنانة هى الفن، بينما كان الباقى مجالًا للمؤسسات الإخبارية والمعلقين السياسيين. كان الفنانون يتعرضون للانتقادات عادة بناءً على موهبتهم فقط، لكن عندما تحولوا إلى وسائل إعلام ومحطات إذاعية ووكالات إعلانية، لم يتمتعوا بالامتيازات المالية المتمثلة فى تجاوز الوسطاء فحسب، بل تولوا أيضًا المسئوليات التى تتحملها تلك الكيانات تقليديًا.

فى السابق، كان من النادر أن نتوقع من جميع المشاهير اتخاذ مواقف سياسية، لكنهم اليوم يتعرضون للانتقاد لعدم وجود صوت سياسى لهم. كما كانت هذه الانتقادات موجهة فى المقام الأول إلى الشخصيات السياسية والمثقفين. لكن اليوم، أصبح متوقعًا من أى شخص لديه عدد كبير من المتابعين. فى الواقع، فإن امتلاك منصة كبيرة يجلب معه مسئولية التحدث نيابة عن أولئك الذين لا صوت لهم. ومع ذلك، يجب على المرء أن يتساءل عما إذا كان المشاهير و«المؤثرون» يتمتعون حقًا بالفطنة السياسية والرغبة فى المخاطرة بسبل عيشهم من أجل مثل هذه القضايا؟ لا يمكن للمرء أن يفعل ذلك إلا إذا تمسك بمعتقداته الأخلاقية بقوة، ومع ذلك لا يزال كُثر يفشلون فى اتخاذ موقف.

هذه الحجة لا تعفى المشاهير من مسئولياتهم تجاه الإنسانية؛ بل إنه تساءل عما إذا كان ينبغى لنا أن نتوقع تعليقات سياسية ومؤازرة إنسانية من «مؤثرى» الساعة، فتيات الإعلان وفنانى الماكياج. ومن المفارقات الصارخة أن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعى الذين تتبعهم الجماهير، أطلقوا على أنفسهم اسم المؤثرين عندما يكون تأثيرهم الأساسى هو تصعيد النزعة الاستهلاكية إلى مستويات غير عادية، وتحويل متابعيهم إلى مدمنين. فى الواقع، إنهم مؤثرون، لكن طبيعة وصدق التأثير الذى يمارسونه أمر مشكوك فيه. ورغم أن الغاية قد تبرر الوسيلة فى هذا السيناريو، فإن توقع اهتمام حقيقى من شخص يفشل فى فهم خطورة قضايا مثل الإبادة الجماعية يبدو أمرًا لا طائل منه. قد ينشر «المؤثرون» على مواقع التواصل الاجتماعى، أو لا ينشرون، منشورًا يدعم فلسطين أو يدعو إلى وقف إطلاق النار، لكنهم فى النهاية لا يستطيعون تقديم ما لا يملكونه أنفسهم، ففاقد الشىء لا يعطيه، وفى هذا العالم المفقودة هى الإنسانية فى غابة الخوارزميات.

جريدة الخليج الإماراتية

 

التعليقات