ليس تطرفاً دينياً فقط.. إنه أعم - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الخميس 21 أكتوبر 2021 11:22 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

ليس تطرفاً دينياً فقط.. إنه أعم

نشر فى : الخميس 21 نوفمبر 2013 - 7:45 ص | آخر تحديث : الخميس 21 نوفمبر 2013 - 7:45 ص

دعا مؤخراً مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية مجموعة من المثقَّفين العرب لمناقشة سبل مناهضة ظاهرة التطرف الدينى فى المجتمعات العربية. من بين النقاط المتعلقة بالموضوع، والتى تستحق الإبراز والمناقشة، النقاط التالية:

الأولى تتعلق بالسؤال التالى:

هل أن ظاهرة التطرف فى المجتمعات العربية تقتصر على المجال الدينى أم أنها ظاهرة عامة متجذّرة فى ثقافة المجتمع ومتجلية فى تاريخه؟

بادئ ذى بدء فإن علماء الاجتماع يختلفون حول أسباب هذه الظاهرة المركَّبة. فعند الفرد قد تعبّر هذه الظاهرة عن مرض نفسى أو حتى عقلى، وعند الجماعات هى فى الغالب عبارة عن ردّ فعل عاطفى طاغٍ بسب ماضٍ ملىء بالظلم أو الاستغلال أو امتهان الكرامة. وأحياناً يكون التطرف أداة فى معارك القوة والسيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية.

وهو ظاهرة تبدأ بالتعصُّب الأعمى لتصبح بعد ذلك تطرفاً فى القول والفعل ولتنتهى بممارسة العنف أو الإرهاب.

ما يهمنا إبرازه هو أن التعصُّب للأفكار والمعتقدات والعادات قد قاد مجتمعاتنا فى النهاية، وفى كثير من الأحيان، إلى توليد تجليات وممارسة العنف لا فى الدين فقط وإنما فى شتى مناحى الحياة.

 

دعنا نأخذ مساحة محددة فى تركيبة المجتمع، مساحة العائلة العربية، وندرس ظاهرة العنف فيها. ألا تصر الكثير من الأمهات ويصر الكثير من الآباء على كسر شوكة الكرامة فى أطفالهم من خلال الصراخ الهيستيرى، وإصدار الأوامر التى لا تقبل النقاش، واستعمال قوة يد البطش ضد أطفال صغار ضعاف الجسد لا حول لهم ولا قوة للدفاع عن أنفسهم؟ إلا يستهزئ هؤلاء بفكرة العلاقات الديمقراطية، من أخذ وعطاء وتسامح وحلول وسطية، فيما بين الوالدين وأولادهم وبناتهم، ويعتبرون ذلك تدليعاً لا محل له؟

فى العائلة العربية تنتشر ظاهرة العنف اللفظى المبتذل عند الأم وظاهرة العنف الجسدى عند الأب. ويتبارى بعض الآباء والأمهات فيمن يبزُّ الآخر فى «التربية» و«الانضباط» و«انتزاع الاحترام الكاذب» من خلال المبالغة فى استعمال شتى أنواع العنف الجسدى واللفظى والنفسى القائم على الطاعة العمياء وعلاقات الزبونية والرشوة.

واسوأ ما فى كل ذلك أن العنف يمارس باسم الدين وباقتطاع انتقائى لكلمات من الوحى الإلهى وأقوال الأنبياء، وتغليف ذلك بإعلاء شأن بعض العادات القبلية السلبية أو بعض الممارسات التسلطية التى عفا عليها الزمن وأصبحت خارج العصر وعلومه وأنظمته الحقوقية، وذلك من أجل عرض وتسويق بضاعة العنف كنظام تربية وتقويم.

ولا يسع المجال هنا لتفصيل عنف الأزواج ضد الزوجات، جسدياً وعاطفياً وجنسياً باسم الرجولة أو العنف ضد الخدم الفقراء المغلوبين على أمرهم باسم ضبط أمور البيت، أو عنف الإخوان ضد أخواتهم باسم الذكورة.

كما لا يسع المجال لذكر عنف المعلم ضد التلميذ، وعنف المدير ضد المعلم، وعنف كل صاحب سلطة أو وجاهة أو مال فى المجتمع ضد من دونهم فى الرزق أو فى القدرة أو فى امتلاك وسائل الحماية. ولا يحتاج الإنسان للتذكير بظاهرة العنف المعنوى واللفظى التى تمتلئ بها فى أيامنا ساحات الإعلام بشتى أنواعها.

نحن إذن أمام مكونات مجتمع تمارس الانغلاق على الذات والتعصُّب، ثم تتبعه بالتطرف غير العقلانى، لتنتهى بممارسة العنف.

من هنا فإن التطرف الدينى هو جزء من ظاهرة ثقافية أعم وأشمل.

 

النقطة الثانية تتعلق بالوسائل المتاحة لمناهضة التطرف. لقد توجه العديد من الحاضرين إلى مؤسسات التعليم والإعلام والمجتمع المدنى والدين يناشدونها القيام بأنشطة لمناهضة التطرف الدينى. لكنَّنا ننسى أن جميع تلك المؤسسات، بما فيها كثير من مؤسسات المجتمع المدنى، قد ولدت من رحم الدولة العربية التى تميزت أكثر سلطات الحكم فيها بممارسة اشكال لا حصر لها من أنواع العنف المعنوى والمادى. وهو عنف لا تضبطه الدساتير ولا القوانين ولا الاتفاقيات الدولية فى غياب الرَّقابة والمحاسبة الديمقراطية.

وإذن فما لم يجر تغيير جذرى فى تركيبة ووسائل عمل سلطات الدولة العربية فإنها لن تكون متحمسة ولا جادة ولا كفؤة فى استنهاض مؤسساتها لمناهضة ظاهرة هى تؤمن بها وتفعِّلها يومياً.

إن دولة تبتلع مجتمعاتها فى جوفها، وتقمع مكونات تلك المجتمعات فى عوالم السياسة والاقتصاد والثقافة، وتقوم علاقتها مع قوى تلك المجتمعات من خلال الخوف المتبادل والتطاحن الذى لا يهدأ.. إن مثل هذه الدولة ليست مهيأة لإعطاء الدروس فى التسامح والأخذ والعطاء والتعايش مع الآخرين المختلفين معها فى الرأى والتوجُّهات.

قلب هذه المشكلة وغيرها سيظل فى الدولة العربية أو التى وصفها عالم الاجتماع الدكتور حليم بركات فى كتابه (المجتمع العربى المعاصر) بأنها «كانت دائماً تمثل مصالح عائلات وقبائل وجماعات على حساب غيرها وعلى حساب الأمة، وما القول إنها تمثل المصلحة العامة سوى ضرب من التعمية والتسويغ». إنه حكم قاس ولكنه يقول الكثير.

وقديماً قيل إن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات