يوسف شاهين فى نشاطات معرض الكتاب.. الإبداع الواحد والمعركة الواحدة - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الجمعة 23 يناير 2026 2:57 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

يوسف شاهين فى نشاطات معرض الكتاب.. الإبداع الواحد والمعركة الواحدة

نشر فى : الخميس 22 يناير 2026 - 7:55 م | آخر تحديث : الخميس 22 يناير 2026 - 7:55 م

لعل من الأمور الأقرب إلى أن تكون طبيعية أن يحتفى عالم الفن والأدب فى مصر، كما فى غير مصر، طوال العام الجارى ٢٠٢٦ بالذكرى المئوية لولادة يوسف شاهين. بل من المنطقى فى الوقت نفسه أن تحتفل مصر أيضًا، وخاصة هذا العام وكل عام، بمناسبة ما تخص نجيب محفوظ الذى، وكما أشرنا الأسبوع الفائت فى هذا المكان بالذات، أعلن المعرض أنه مبدع هذا العام الذى يحتفل به معرض الكتاب القاهرى. ومن الطبيعى، على أية حال، أن يلتقى المبدعان الكبيران الراحلان معًا، والكتب بمئات آلاف النسخ من حولهما، بمعنى أن من يحتفل بهما إنما هو عالم الكتب نفسه، بعد أن احتفل بكلٍّ منهما على حدة عالمُ السينما.

بالنسبة إلى نجيب محفوظ يبدو الأمر بديهيًا، وفى الحالتين: الحالة الأدبية والحالة السينمائية. لكنه أقل من ذلك بالنسبة إلى شاهين، إنما فى ظاهر الأمور فقط. ومن هنا، لئن كان الاحتفال بشاهين فى معرض الكتب، ومن على منصاته، سيثير تساؤلات من المستحيل أن يثيرها احتفال المعرض بنجيب محفوظ، لا بد هنا أن نسارع إلى القول بأن ثمة مبررات قد تبدأ ولا تنتهى لذلك الحضور الشاهينى المشع فى ميدان لا يمكنه إلا أن يكون ميدانه، وإن بأشكال مختلفة.

وفى مقدمة ذلك أن صاحب «المصير» كان قارئًا نهمًا، وربما قارئًا يوميًا للأدب. وكان شكسبيريًا فى اختياراته، هو الذى كانت العبارات الشكسبيرية أول ما نطق به، وقبل سن المراهقة، على خشبة بدائية، كما أن حلمه الكبير الذى لم يتحقق أبدًا كان أفلمة «هاملت»، ولو على طريقة إسكندرانية ما. صحيح أن مخرجنا الكبير لم يقتبس أية رواية أدبية للسينما، لكن المبدع الذى قدّم الفيلم «الفلسفى» الوحيد فى تاريخ السينما المصرية (فيلمه عن ابن رشد)، تعاون مع أدباء كبار، استكان إلى ما كتبوه له من سيناريوهات، ربما كانت هى من أفضل ما حققه فى مساره الإبداعى الطويل. وكان يحلو له، بين الحين والآخر، أن «يحتال» على شخصية فكرية لا بأس لها للوقوف أمام الكاميرا كى يصوّرها فى لقطات أو حوارات ذات دلالة، يدخلها كمحطة فكرية فى فيلم من أفلامه (المفكر الفلسطينى الكبير إدوارد سعيد، على سبيل المثال، فى فيلم "الآخر"). بل إنه كثيرًا ما كان يتساءل حول إمكانية تحقيقه فيلمًا حول نجيب محفوظ، الذى تعاون معه على أية حال، ولكن ككاتب للسيناريو، كما أنه فى واحد من أجمل أفلامه قدّم صورة سينمائية عن أديب مصرى كبير، ولو بشكل موارب (يوسف السباعى فى «الاختيار» الذى كتبه شراكة مع نجيب محفوظ).

والحقيقة أننا لم نتوخَّ من السطور السابقة أن تكون جزءًا مبررًا لهذا الاهتمام المحمود، والذى حان وقته، من جانب الأدب بالسينمائى الكبير. فاهتمام يوسف شاهين بعالم الأدب والفكر، وصولًا إلى عالم الفلسفة، لم يعد فى حاجة إلى تأكيد من أى نوع كان. وكذلك الحال بالنسبة إلى متابعة شاهين، التى لا تضاهى، ليس فقط لما يكتبه نقاد السينما والأدب والباحثون فى شئونها، سواء تعلق ذلك بإنتاجه الفنى الخاص، أو تعلق بشئون سينمائية، ولكن غير سينمائية أيضًا، يعود إليها مرة ومرات ما إن يجدها فى مجلات ومطبوعات تثير فضوله، وتكاد تكون غذاءً يوميًا له.

ولقد عُرض مرة لكاتب هذه السطور بالذات فصلٌ شاهينى فى هذا المجال، سيكون ملائمًا اختتام هذا الكلام به، وتحديدًا بوصفه شهادة شخصية على هذا النوع، غير المتوقع وغير البديهى، من اهتمامات سينمائينا الراحل الكبير.

حدث ذلك أواخر القرن الفائت، حين كنت أكتب فى صحيفة «الحياة» اللندنية مقالات حول أمور فكرية وثقافية وفلسفية، ولم أكن أتوقع أن شاهين يتابعها، مع أننى كنت أعرف أنه يقرأ مقالاتى السينمائية ويناقشنى فيها بين الحين والآخر. ولكن ذات يوم، وكنت قد نشرت فى صباحه مقالًا مطولًا حول هيباتيا، فيلسوفة مدرسة الإسكندرية الشهيدة فى عصر البطالمة، والتى، كما أشرت فى مقالى، وقعت هى والمدينة والمكتبة الإسكندرانية ضحايا للتعصب الدينى اليهودى – المسيحى المشترك فى ذلك الحين. وكانت النتيجة سحق التعصب الدينى المشترك للفكر الإنسانى التنويرى، الذى كانت الفيلسوفة والمكتبة والمدينة تتشارك فى التعبير عنه، فى امتداد رائع للفكر اليونانى العظيم، ممتزجًا بما أضافته مكتبة الإسكندرية وأفلوطين وتلامذته من أفكار، كان لا بد للمتطرفين من القضاء عليها وعلى من يحملها، كهيباتيا.

المهم، بعد ساعات من صدور عدد «الحياة» يومها، رن جرس هاتفى فى باريس لأجد على الطرف الآخر يوسف شاهين يسألنى، حتى من قبل أن يلقى التحية المعتادة، عن هيباتيا، ولماذا اهتممت بها، وما مراجعى. فسارعت إلى سؤاله عما إذا كان يعرفها ويعرف فكرها وحكايتها، فصرخ بى: «إنت ناسى إنها بنت بلدى ولا إيه؟». ثم ضحك وسألنى عن إمكان مدّه بكل ما أعرف عنها وعن فكرها ونوعية الحياة التى كانت تعيشها فى المكتبة والمدينة قبل ألفى عام. قلت له: طبعًا. وقد أسعدتنى الفكرة، إذ أدركت ما فى خلفية هذا الطلب الشاهينى. لقد قلت فى نفسى إنه بالتأكيد بدأ منذ اليوم يفكر بفيلم يحققه عن هيباتيا.

بالفعل، حينها، ما إن مر أسبوعان حتى كنت قد جمعت له عدة كتب ودراسات، بل حتى مقالات صحفية عن هيباتيا، واتفقنا على أن أحضر له فى القاهرة كل ذلك الأرشيف البديع. وكنت بالفعل سأسافر إلى القاهرة بعد أسابيع قليلة. فهل تعرفون ما الذى حدث؟

بكل بساطة، قرأت فى بعض الصحف المتعلقة بمهنتنا السينمائية عن مشروع يحضّره السينمائى الشيلى المقيم فى إسبانيا أليخاندرو أمينابار، تحديدًا عن حياة هيباتيا الإسكندرانية وفكرها ومأساتها ومكتبتها والإسكندرية التى عاشت فيها. كان الخبر مؤكدًا، بل كان عنوان الفيلم جاهزًا منذ ذلك الوقت المبكر: «أغورا». طبعًا سارعت إلى مهاتفة شاهين لإخباره بالأمر، فإذا به ينفجر غضبًا، معتادًا لديه، ليسألنى لماذا لم أخبره قبل ذلك. أعلمته أننى عرفت الخبر لتوى، وأردفت بأننى ذاهب إلى القاهرة ومعى «الحصاد الهيباتى»، فهل أحضره معى على أية حال؟ فضحك وصرخ: «فى ستين داهية!». وهكذا انتهت هذه الحكاية.

ولكن تبقى هنا حاشية أخيرة تتعلق بها: لقد شاهدت «أغورا» بعد إنجازه، ولا بد من الاعتراف بأنه أتى فيلمًا كبيرًا وتحفة فى سينما فلسفية ونضالية، لا يقل فى ذلك عن «المصير» الذى حققه شاهين عن الفيلسوف الأندلسى ابن رشد، كما نعرف. ولقد كتبت مرات عديدة فى المقارنة بين الفيلمين، وأجد من الطريف وذى الدلالة أمرًا رسمته تصاريف القدر: فيلم «المصير» صوّره مخرج إسكندرانى عن فيلسوف مسلم متنور يعيش فى قرطبة، بينما «أغورا» فيلم عن فيلسوفة عاشت فى الإسكندرية وصوّره مخرج أمريكى لاتينى يعيش فى قرطبة. والفيلمان عن هزيمة الفكر الإنسانى التنويرى أمام همجية التطرف الأصولى… نفس المعركة فى جغرافيتين متقابلتين، نفس المعركة التى بدورها جمعت بين يوسف شاهين ونجيب محفوظ، أليس كذلك؟

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات