عقيدة النبوة فى الإسلام (1) - رجائي عطية - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 6:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

عقيدة النبوة فى الإسلام (1)

نشر فى : الأربعاء 24 نوفمبر 2021 - 8:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 نوفمبر 2021 - 8:45 م

تمت فى الإسلام فكرة النبوة، كما تمت فكرة الإلهية، فبرئت هذه الرسالة السماوية من الشوائب الغليظة التى لصقت بما قبلها.
ليست النبوة بقول ساحر، ولا يفلح فيها الساحرون، وليست بعمل كاهن ولا مجنون.
«وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ» (الحجر 11 ــ 15).
فليست الخوارق مما يغنى النبى فى دعوة المكابر المفتون، وقد جاءت بعض هذه الخوارق طائعة لمن يريد استغلالها، فنفاها عليه الصلاة والسلام وردها إلى الله، كما جاء فى خبر كسوف الشمس مصادفة وقت دفن ابنه إبراهيم.
والغيب لله، ولا يدعيه عليه الصلاة والسلام.
«وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ» (يونس 20).
«قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِى السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأعراف 188).
«قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَى قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ» (الأنعام 50).
«وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ» (الأنعام 59).
* * *
وبهذه العقيدة الرشيدة، فرق الإسلام بين طريقين شاسعتين فى تاريخ الأديان.. طريق موغلة فى القدم تشتبك بالوثنية وتخلط العبادة بالسحر والكهانة، وطريق هداية موغلة فى المستقبل، ترفض السحر والكهانة وقداسة الجنون، وتروض بصيرة الإنسان على قبول الهداية.
وأبعد شىء عن المعقول وعن البحث الأمين أن تنعقد المقارنة بين هذه النبوة الإسلامية، وبين النبوات التى تقدمتها.
كانت النبوات السابقة، فيما عدا النبوات الكبرى لإبراهيم وموسى وعيسى، فيما أحصاها القرآن ذاته، نبوءات السحر، أو الكهانة والجذب والجنون المقدس أو نبوءة التنجيم وطوالع الأفلاك، أو ادعاء العلم بالغيب والقدرة على تسخير نواميس الطبيعة.
ويورد الأستاذ العقاد أن المقارنة بين النبوة الإسلامية وبين النبوءات التى شاعت فى تاريخ العبريين ـ تغنينا عن تعميم المقارنات فى عامة الديانات التى سبقت ظهور الإسلام، فقد آمن العبريون بهذه النبوءات جميعًا.
وقد عرفت نبوءات العبريين نبوءات السحر والكهانة والتنجيم كما عرفتها الشعوب البدائية، وابتكرت منها واقتبست عنها، وكانوا يسمون النبى بالرائى أو الناظر أو رجل الله، ولم يطلقوا عليه اسم النبى إلاَّ بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين فى التوراة، وهم ملكى صادق وأيوب وبلعام وشعيب (الذى يسمونه «يثرون» معلم موسى الكليم)، ويرجح بعضهم أنه الخضر عليه السلام للمشابهة بين لفظ يثرون وخثرون وخضر فى مخارج الحروف.
* * *
والمطّلع على الكتب المأثورة بين بنى إسرائيل، يتبن له أنهم آمنوا بهذه النبوات جميعًا، وأنهم بعد ارتقائهم إلى الإيمان بالنبوة الإلهية ظلوا يخلطون بين مطالب السحر والتنجيم، ومطالب الهداية، ويجعلون الاطلاع على المغيبات امتحانًا لصدق النبى فى دعواه.
وقد دلل الأستاذ العقاد على ذلك بما استخرجه من إصحاحات أسفار العهد القديم، وما ورد بها من روايات تجرى على هذا المنوال، وعلق على كثرة الأنبياء فى قبائل بنى إسرائيل بأنهم كانوا فى أزمنتهم المتعاقبة أشبه بأصحاب الأذكار والدراويش فى العصور الحديثة، وقد جاوزوا المئات فى بعض العهود واصطنعوا من الرياضة فى جماعاتهم ما يصطنعه الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب (سفر صموئيل الأول 19: 20 ـ 22)، (سفر صموئيل الأول 10: 5 ـ 7)، وسفر الملوك الثانى.
* * *
وهؤلاء المئات من المحسوبين على النبوة، لبثوا فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بين قبائل إسرائيل وقرًا فادحًا لا يصبر قوم على تكاليفه المرهقة وما شابه من أوضار وضلالات ـ إلاَّ لمنفعة ينتظرونها.
وقد أورد الأستاذ العقاد فى صبر ـ روايةً طويلة كذلك جاءت فى سفر الملوك الأول ـ
(18: 17 ـ 46) ويمكن لمن يحب الرجوع إليها.
وعلى ذلك فلم تكن فكرة النبوة عند بنى إسرائيل، إلاَّ صناعة مرادفة لصناعة التنجيم أو صناعة الفراسة المنذرة بالكوارث المتوقعة. ولم يكن لهم أن يفهموا من النبوة غير معناها هذا الذى تعلّموه من أحبارهم وكتبة أسفارهم.
وكان من ذلك أن قر فى أخلاد الشعب من أحباره وعلمائه إلى عامة جهلائه ـ أن الكشف على الغيب مرادف لمعنى النبوة، وأن وقوع الخير هو امتحان الصدق الوحيد الذى يمتحن به صدق النبوة.
* * *
وبرغم أن بنى إسرائيل لم يعرفوا نبوة على مثال أتم وأكمل من نبوة موسى الكليم، إلاَّ أنه بدر منهم ما يمثل إغراقًا فى هذه الأوضاع التى التبست بالنبوة فى فهمهم، وكان أرفع ما تصوروه من معنى وحى الله أنه كان يخاطب موسى فمًّا إلى فم وعيانًا بغير حجاب، وقد ورد فى سفر الخروج أن الله «نزل فى عمود سحاب ووقف فى باب الخيمة ودعا هارون ومريم فخرجا كلاهما فقال: اسمعا كلامى. إن كان منكم للرب فبالرؤيا أستعلم له وفى الحلم أكمله. وأما عبدى موسى فليس هكذا. بل هو أمين فى كل شىء. فمًا إلى فم وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز».
وكان اعتقادهم أن موسى عليه السلام يسمع كلام الرب فمًّا إلى فم وعيانًا بغير حجاب، فى كل قضية من قضايا الشعب يعرضونها عليه. وأحيل القارئ على نص ما أورده الأستاذ العقاد من الإصحاح الثامن عشر من سفر الخروج (18: 13 ـ 22).
* * *
وبعد نحو ستة قرون من النبوة الموسوية، وانتهاء عهد الأنبياء فى بنى إسرائيل، لم يتغير معنى النبوة عندهم فى هذه الفترة الطويلة، بل انحدر إلى ما دون ذلك بكثير. فقد فهموا النبوة على معنى الرؤية والعرافة والسحر والتنجيم!
وبعد ستة قرون من آخر رسالة فى بنى إسرائيل، استمع العالم إلى صوت قادم من الجزيرة العربية، يدعو الناس جميع إلى رب العالمين، لا يميز أحدًا على أحد، ولا قومًا على قوم، ويدلى بأن مصير الإنسان معلق على تقواه وعمله.
ولا يدعى فى دعوته أنه يعلم الغيب، أو يملك خزائن الأرض، أو يدفع السوء حتى عن نفسه فضلا عن آله وقومه، ولا يدعى لنفسه الخوارق والمعجزات، وإنما يقول للناس إنه واحد منهم كسائر الناس، بشير يهدى إلى الحق والرشد، ونذير يحذر من الباطل والضلال.
فكيف تسنى لمحمد عليه الصلاة والسلام أن ينفرد بهذه الدعوة وحيدًا فى تاريخ الأديان، إلاَّ أن تكون الإرادة الإلهية هى الجواب.
ظل هذا السؤال عالقًا فى ذهنى، حتى قدمت الإجابة عليه فى كتاب «من فيوض الإسلام» (دار المعارف 2012).
أراد الحق عز وجل لنبوة الإسلام أن تكون نبوّة فهم وهداية، لا ترمى إلى إفحام العقل بالحجة المسكتة، وإنما تتغيا تفتيحه وتبصيره ودعوته واستثارته إلى التفكير والتأمل والتدبر والفهم.. لذلك كان القرآن المجيد هو آية الإسلام الكبرى، وحجته الممدودة فى عصر التنزيل وفى كل ما يأتى بعده من عصور، لأن حجة القرآن لا تنطمر بمضى الزمن، وإنما يزداد فهم الناس إلى ما فيه من الحق والنور والجمال.. فلم يكن القرآن الحكيم محض معجزة تجرى مجرى الخوارق الحسية التى كانت عليها حجج صدق الديانات السابقة، وإنما هو نور وهداية وزاد موصول ومدد لا ينتهى يجعل من نبوة الإسلام نبوة هداية وإنارة تخاطب الوجـدان والعقل والضمير، وتستنفر وتستحث هذه الملكات لاستقبال فيوض هذا المدد الدائم واستيعابه واستحضاره والإمساك به كيما لا يفلت من الإنسان تعلقه المنشود بالمعنى الكلى والغاية المثلى للإسلام فى إصلاح وصلاح الحياة والأحياء إلى يوم الدين.
Email:rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

التعليقات