كرة الثلج والإصلاح الاقتصادى - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 20 يناير 2020 11:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

كرة الثلج والإصلاح الاقتصادى

نشر فى : الإثنين 25 يونيو 2018 - 9:45 م | آخر تحديث : الإثنين 25 يونيو 2018 - 9:45 م

بداية لا أحب أن أنساق خلف التمييز «الإعلامى» الجامد بين ما يمكن وصفه بالإصلاح الاقتصادى والإصلاح المالى، لأن الأخير هو بعض من كل، ولأن تداعيات ووفورات الإصلاح المالى حتما سوف تنسحب (إن آجلا أو عاجلا) على الاقتصاد العينى، ويكون لها آثارها على النمو والتشغيل والاستثمار.. وصولا إلى الأثر النهائى على الرفاهة وتحسين نوعية الحياة. فلنضرب مثلا بالفائض الأولى فى الموازنة العامة، وهو ذلك الفائض الذى يتحقق بعد أن تغطى الإيرادات العامة المصروفات العامة، مع استبعاد مصروفات خدمة الدين. إذا تحقق ذلك الفائض بنسب لا تزيد عن 0.2% فى الموازنة الأخيرة ثم هو يتجه إلى أن يستقر فوق 2% ولمدة ثلاث سنوات مالية كما هو مستهدف، فإن هذا مؤشر على استدامة الوضع المالى والقدرة على سداد الديون التى بلغت خدمتها فى الموازنة الأخيرة نحو 38% من المصروفات! ومن ثم فهو مسوغ لرفع التصنيف الائتمانى للدولة، والذى ينعكس بدوره على جذب الاستثمارات وانتعاش سوق التمويل، وهو فى النهاية ما يمكن أن يتحقق معه زيادة معدلات النمو والتشغيل وخفض معدلات الفقر وتحسن مؤشرات التنمية المختلفة فى الأجلين المتوسط والطويل.
المتغيرات متشابكة إذن فى معادلات الاقتصاديين، والبحث عن سياسة اقتصادية ناجعة سواء أكانت مالية أو تجارية أو نقدية، يجب أن يتم فى ضوء القيد الأشهر والأهم فى علم الاقتصاد وهو قيد الندرة، فعلم الاقتصاد هو علم الندرة، ومداره ندرة الموارد وتعدد الحاجات، ذلك القانون الأزلى الذى يحكم كل ما هو اقتصادى، بل وكل ما هو بشرى فى سياقات مختلفة.
***
هذا تمهيد ضرورى قبل الخوض فى حديث الإصلاح الذى لا ينقطع بحكم تأثيره اليومى على حياة المواطنين، وقبل محاولة الرد على سؤال مازالت إحدى مذيعات البرامج الحوارية تردده على حتى زهدت فى الإجابة، لأن السؤال حائر وغير منضبط، لكنه ربما يعبر عن جانب من حيرة رجل الشارع غير المختص. والسؤال هو: هل ما تم من إجراءات حكومية (تقشفية فى الأساس) كافٍ لتحقيق الإصلاح الاقتصادى؟ مسألة كفاية الإجراء من عدمها تظل رهينة بالمعايير والمستهدفات التى وضعت لبرنامج الإصلاح الاقتصادى فى آجاله المختلفة. حتى هذه اللحظة فإن استقرار سعر صرف الدولار الأمريكى مقابل الجنيه المصرى يظل الهدف الأهم والأبرز لخطة الإصلاح التى بدأت منذ عام ونصف العام، وتظل جميع صور التحسن فى مؤشرات الاقتصاد والمالية العامة مرتبطة بشكل كبير بقرار تحرير سعر الصرف. لكن الأهم هو أن الكثير من الإجراءات الانكماشية النقدية والمالية، ومنها إجراءات معالجة التشوهات السعرية فى منتجات الطاقة تحديدا، والتى اتخذت فى إطار برنامج الإصلاح الذى باركه صندوق النقد الدولى، جاءت عنيفة وسريعة لأنها تحاول ببساطة احتواء الأثر الكبير لتخفيض قيمة العملة الوطنية على نحو يفوق كثيرا ما توقعه خبراء الصندوق أنفسهم كما سبق وصرح رئيس بعثتهم مرارا.
أسعار الفائدة التى ارتفعت بـ700 نقطة أساس جاء ارتفاعها لاحتواء أثر التضخم الكبير والذى بلغ 33% فى أسوأ شهور العام الماضى، أسعار الكهرباء ومنتجات المشتقات البترولية تم تحريكها بقوة ومراجعتها أكثر من مرة فى محاولة لاحتواء أثر المديونية الدولارية الكبيرة التى تضاعفت فى قطاعى البترول والكهرباء، كنتيجة مباشرة لانخفاض قيمة العملة الوطنية والتى نتجت بدورها عن قرار التعويم. وباستثناء إجراءات الإصلاح التشريعى والمؤسسى وقرارات الإصلاح الضريبى وتحسين حصيلة الإيرادات الضريبية، فإن احتواء الآثار التضخمية لقرار تحرير سعر الصرف فى نوفمبر 2016 كان ومازال الشغل الشاغل للحكومة، على الرغم من تراجع معدلات التضخم إلى ما يقرب من 13% كأثر طبيعى لاختلاف سنة الأساس، تلك التى قفزت فيها الأسعار فجأة نتيجة لخفض قيمة العملة.
***
علينا هنا أن نميز بين قرارات الإصلاح التى تحقق المستهدف (والذى يمكن استنتاجه من رؤية مصر 2030 واستراتيجياتها وخططها المرحلية)، وبين قرارات إسعافية عاجلة يتم اتخاذها سعيا وراء احتواء الإجراء الأهم والأخطر فى فاتورة الإصلاح ألا وهو قرار تحرير سعر الصرف. هذا التمييز ضرورى لإعمال أدوات التقييم الضرورية لعملية الإصلاح فى مجملها وفى تفاصيلها. فمثلا كان العائد الإيجابى لقرار التعويم كبيرا على الشركات المصدرة، وانعكس بقوة على مركزها المالى فى عام المحاسبة التالى للقرار، بند «فروق العملة» كان كبيرا وملحوظا فى القوائم المالية لتلك الشركات خلال العام التالى، لكن هذا البند لا يمكن أن يستمر مرتفعا بعد استقرار سعر الصرف عند مستوياته الحالية، لأن عام المقارنة الجديد صارت فيه أسعار الصرف محررة بالفعل. فى المقابل تشكل فاتورة الكهرباء والمحروقات الجديدة أثرا سلبيا كبيرا على هيكل تكاليف الشركات كثيفة استهلاك الطاقة، بما يفوق أثره السنة التى شهدت تحريك أسعار منتجات الطاقة، ويهدد بعض الصناعات بالتوقف. لن أكرر هنا الحديث عن البدائل والحلول والتجارب الدولية التى سبق أن تناولتها فى مقال سابق فى جريدة الشروق إبريل الماضى بعنوان «قبل رفع فاتورة الكهرباء»، ولن أتحدث عن اللبس فى تحديد الدعم، والذى كثيرا ما تعبر قيمته المعلنة عن خلل فى هيكل التكلفة يتسبب فى تشوه الأسعار، بل ولن أتطرق إلى حقيقة رفع أسعار بعض شرائح استهلاك الكهرباء عن التكلفة المعلنة بما يعنى تحقيق أرباح أو بالأحرى تضمين ضريبة على بعض المستهلكين بغرض دعم الشرائح الأخرى... لأننى تناولت كل هذا أيضا فى غير مقال، لكننى ألقى الضوء على كرة الثلج التى أعقبت قرار التعويم «الضرورى» فى فلسفته ــ لا فى أسلوبه وتوقيته وأبعاده ــ وعلى ضرورة توافر أدوات للتخطيط والتنبؤ تسمح بدراسة أثر أى إجراء أو سياسة على أوضاع الاقتصاد الكلى والجزئى، ومن تلك الأدوات مصفوفة الحسابات الاجتماعية وجداول المدخلات والمخرجات وما يمكن أن ينشأ عنها من نموذج منضبط للتوازن العام، سبق أيضا تناوله فى مقالات سابقة!
الاتجاه المحمود نحو تخفيض أسعار الفائدة بعد انتهاء موجة التضخم الأولى، قد يكون استمراره صعبا مع الموجة التضخمية التالية والمتوقعة نتيجة رفع فاتورتى الكهرباء والمحروقات بنسب كبيرة. لهذا أثره السلبى على جذب الاستثمارات، لكن بأى قيمة، وما هى قيمة الوفورات الإيجابية لرفع أسعار منتجات الطاقة؟ وما هو الناتج الصافى لإجراءات الرفع؟! لا أحد يمكن أن يجزم، لأن التنبؤات العلمية الدقيقة غير مستخدمة أو فى القليل غير مفصح عنها.
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار كان يقوم بإعداد أوراق سياسات، وتصميم نماذج للتنبؤ على درجة عالية من الدقة، بالاستعانة بخبراء وأساتذة كبار متخصصين. المركز كان له دور مهم أيضا فى دعم البنية التكنولوجية الحكومية، وتطوير العديد من المنتجات التكنولوجية التى من شأنها رفع كفاءة الجهاز الإدارى للدولة، وقد آن الأوان أن يعود المركز إلى سابق عهده، لتوفير صورة متكاملة لمتخذ القرار، تضع جميع الأبعاد والاحتمالات أمام ناظريه قبل المضى قدما فى اتخاذ قرار ما. الزيادة الأخيرة فى أسعار المحروقات كان
أثرها «المباشر» وفقا لتصريح السيد وزير البترول هى إيرادات تقدر بنحو 50 مليار جنيه، لكن أحدا لم يخبرنا بالأثر «الصافى» لرفع الأسعار، بعد الأخذ فى الاعتبار الخسائر التى يمكن أن تحققها مؤسسات وأفراد نتيجة لارتفاع التكاليف، ولتغير أنماط الاستهلاك.. تلك معلومة مهمة جدا لترشيد القرار السياسى والاقتصادى. حتى ولو كان تحريك الأسعار حتميا فإن حجم ذلك التحريك والقرارات التكميلية التى يجب أن تتخذ معه لاحتواء آثاره الجانبية يجب أن تكون جاهزة قبل التحريك. مثلا قرار وزارة التموين بتحمل الفرق فى تكلفة إنتاج رغيف العيش بعد تحريك أسعار المحروقات هو بالتأكيد قرار ضرورى، لكنه بالتأكيد يخصم من قيمة الإيرادات الحكومية المتوقع تحصيلها نتيجة رفع أسعار المشتقات البترولية.
***
الخلاصة أنه مهما كانت قسوة إجراءات الإصلاح فإنها تكون مقبولة ومحتملة طالما توافر لها أمران، أولا: وضوح الرؤية والأهداف، وثانيا: دراسة التبعات والوفورات بدقة ووفقا لعدد كبير من السيناريوهات واحتمالات الصدمات.
ختاما أتوجه بالتهنئة لأعضاء الحكومة الجديدة والتى تضم نخبة من أهل الخبرة الثقات، داعيا الله لهم بالسداد والتوفيق، وأتوجه للرجل المحترم الأمين العام لمجلس الوزراء بنداء عاجل لتفعيل دور مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار على النحو الذى يحقق الترشيد المرجو للقرار الحكومى، والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات