تخريجة الاعتداء على السكان المدنيين - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 28 فبراير 2024 2:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

تخريجة الاعتداء على السكان المدنيين

نشر فى : الأربعاء 25 أكتوبر 2023 - 8:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 أكتوبر 2023 - 8:30 م
ها أن دوائر الغرب الاستعمارية والاستخباراتية تنجح من جديد فى مهزلة التلاعب بالألفاظ التى برعت فيها عبر القرون. فهى تصف رد الفعل الفلسطينى تجاه عقود من الإذلال والحصار، وسرقة الأرض وما عليها، وتهجير ملايين الفلسطينيين والفلسطينيات خارج أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم.. تصف ذلك باعتداء إرهابى ضد سكان مدنيين عزل.
فهل حقا إن الجيوش الجرارة من الذين جاءت بهم الحركة الصهيونية العالمية، بمباركة ومعاونة مالية وتسليحية من بعض دول الغرب الاستعمارى، ليقتحموا البيت الفلسطينى ويقيموا المستعمرات المدججة بالسلاح، ويحاصروا، مثلا، غزة سنة بعد سنة، ويمنعوا عن أهل البيت الماء والغذاء والدواء والكهرباء متى شاءوا وكيفما شاءوا، ويمنعوا التعليم عن أولاد البيت أحيانا كعقاب وأحيانا كنكاية، ويأخذوا الأرض الزراعية المحيطة بغزة ويحرثوها والبنادق فوق أكتافهم أو يستعبدوا أهل غزة ليقوموا بحرثها كعبيد مطأطئى الرءوس من أجل لقمة عيش مذلة.. هل هؤلاء حقا يمكن وصفهم، زورا وبهتانا، وكذبا ونفاقا، وتلاعبا حقيرا بالألفاظ، بأنهم مدنيين عزل؟
ومن يقود تلك الحملة الجائرة ويجيش كل القوى الإعلامية الصهيونية وأنصارها من الانتهازيين لطمس الحقائق، لجعل المجرم القاتل ضحية والضحية المتهالكة هى المجرم؟ إنها الولايات المتحدة الأمريكية التى يعطى دستورها الحق لصاحب كل بيت أن لا يسمح لأى متطفل حتى بالمرور فى أرض بيته أو أملاكه، بل والحق فى أن يحذره مرة واحدة، فإذا لم يستجب ويخرج من أرضه يطلق عليه النار من بندقيته ويرديه قتيلا. هناك يعتبرون الدفاع عن ملكية صغيرة فى شكل بيت أو مزرعة وقتل حتى من يجرؤ على أن يدخلها بالغلط هو حق دستورى مشروع، وهنا فى فلسطين يعتبرون مقاومة سرقة وطن بكامله إرهابا ضد مدنيين.
لكن هل هناك غرابة فى ذلك؟ ألم يعتبر المجتمع الأمريكى فيما مضى راعى البقر الكاوبوى، الذى يذهب إلى الغرب الأمريكى، ويخرج الهندى الأحمر من أرضه تحت تهديد السلاح بطلا مغوارا؟، بل ويعتبر قادة ذلك المجتمع أن ذلك ما هو إلا استجابة لأوامر المسيح بتطهير أمريكا من الهنود الكفار ليحل محلهم المؤمنون الغزاة الأنجلو سكسون؟!!! ألم تتهم الهندى الأحمر بالإجرام والتوحش والإرهاب إذا تجرأ ودافع عن أرضه وعرضه؟.
والأمر نفسه ينطبق على ما فعله المستعمرون المستوطنون الفرنسيون فى المغرب العربى.. فدفاع أصحاب البلاد كان يعتبر اعتداء على مدنيين مسالمين (حتى ولو كانوا مدججين بالسلاح ومن القتلة وحثالات الأرض). والأمر نفسه فعله الاستعمار الإنجليزى فى الهند: يسرق وينهب ويذل، حتى إذا ما تجرأ غاندى على المقاومة اعتبر إرهابيا فى ثوب رجل كاهن.
الواقع أن هذا العالم، وعلى الأخص العرب والمسلمون، قد ملّ وهو يرى الغرب الاستعمارى يتعامل معه كما تتعامل بائعة الهوى مع محيطها، فأمام مرآتها أنواع من المكياجات، فإن أرادت الذهاب إلى حانة لتغوى وضعت مكياجا معينا، وإن أرادت أن تتظاهر بامتلاكها العفة وتذهب يوم الأحد للكنيسة وضعت مكياجا آخر، وهكذا هناك مكياج أمام مرآتها لألف موقف، لا يوجد خجل ولا ضمير ولا قيم، هناك فقط لذة الإغواء والابتزاز والنفاق.
الآن، ونحن نرى رئيس دولة مخرّف، ورئيس وزراء دولة لم يقرأ تاريخ البلاد التى جاء منها حتى يبقى انتهازيا مقبولا فى البلاد التى هاجر إليها، ورئيس دولة لا تهمه حتى مشاعر الملايين ممن أصولهم مغربية إسلامية، نرى هؤلاء يذهبون ليقبلوا وجنة المجرم ويذرفوا دموع الكذب والنفاق ويتحسروا على موت من يدعون بأنهم من المدنيين العزل من المستوطنين السارقين لأرض غيرهم، الحاملين لأفتك الأسلحة، المذلين لكل ذرة فى الشعب الفلسطينى.. يتحسرون على أولئك، ولكنهم لا يذكرون ولا بكلمة تعاطف واحدة الضحية الحقيقية، ولا يرف لهم جفن لبكاء ما بقى من نتف جثث أطفال غزة.
لا، ليس المستوطنون المحيطون بغزة من السكان المدنيين، إنهم جزء من جيوش المرتزقة الذين عبثوا بفلسطين طيلة العشرات من السنين. وإذا كنتم، يا رؤساء الغرب، لا تعرفون الفرق بين المدنى المسالم والمستوطن المعتدى فارجعوا إلى مفكريكم عبر تاريخكم الطويل. ولكن لا ترجعوا إلى أمثال مكيافيلى، بل اقرأوا ما كتبه أمثال برتراند رسل وشومسكى وغيرهما من أحرار الغرب غير الاستعمارى، بما فيهم الكثير من الأحرار اليهود الرائعين.
يوجع قلبنا أن نتحدث هكذا عن ثقافة غربية رائعة، تعلمنا منها الكثير. لكن بعضا من ساسة الغرب دمروا تلك الصورة وشوهوا صورة ذلك الغرب الجميل، وقلبوه إلى غرب قبيح انتهازى صهيونى حتى النخاع.
علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات