أزمة صناعة الصحافة فى عصر السوشيال ميديا - نادين السيد - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 8:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

أزمة صناعة الصحافة فى عصر السوشيال ميديا

نشر فى : الأحد 26 سبتمبر 2021 - 7:55 م | آخر تحديث : الأحد 26 سبتمبر 2021 - 7:55 م
نتحدث منذ بداية القرن عن أزمة الصحافة وعن نماذج العمل التجارية المتاحة للصحافة المقروءة وكيفية التعايش فى ظل الإنترنت وصراع وسائل الإعلام وصناع المحتوى على انتباه القارئ الذى بات مشتتا فى محيط معلوماتى وترفيهى من شتى البلدان حول العالم. وفى خضم الصراع على انتباه القارئ ومحاولة التميز وسط خضم محتوى عالمى، صبغت بعض الصحف حول العالم بمسحة صفراء، وتطبعت بطباع صحافة التابلويد التى تتميز بانعدام المهنية والاعتماد على الفضائح والمواضيع المثيرة للجدل بهدف الربح فقط وبدون النظر إلى اعتبارات أخلاق المهنة.

وتجلت أزمة الصحافة حين تهافتت أكبر مواقع الأخبار والصحف المصرية على نشر فيديو انتحار فتاة بمول فى مدينة نصر أو مقطع تظهر به الفتاة ملقاة على الأرض تتلقى الإسعافات الأولية غارقة فى دمائها. وإن ترفع المحرر عن نشر الفيديو، لجأ لنشر صورة من الفيديو، أو ــ وذلك أضعف الإيمان ــ نشر عنوانا مضللا من نوعيه «بالفيديو.. انتحار فتاة فى مول»، حتى إن لم يحتوِ المقال على الفيديو. أمر طبيعى أن يصبح الفيديو «تريندا» على مواقع التواصل الاجتماعى ــ وإن كان أمرا مؤسفا ــ ولكن مستخدم مواقع التواصل ليس على دراية بقواعد وأخلاقيات المهنة فى تغطية هذا النوع من الحوادث. ولكن عندما وصل التريند إلى الصحف والمواقع الإعلامية أصبح الأمر مؤسفا ومحزنا.
كصحفية وباحثة فى نماذج العمل التجارية للإعلام الجديد، أتفهم تماما رغبة الصحف فى زيادة المشاهدات على موقعهم الإلكترونى كجزء أساسى من ضمان الدخل للمؤسسة وبالتالى من بقائها. وأتفهم أيضا رغبتهم فى مواكبة الإنترنت ورواد مواقع التواصل الاجتماعى ومنافستهم على جذب اهتمام القارئ. ولكنى أدرك تماما أيضا أن القارئ لا يلجأ للمواقع الإخبارية أو الصحف العريقة ليطّلع على نفس نوعية المحتوى المتاح على مواقع التواصل الاجتماعى.
يخسر الكثير من قيمته من يحاول توفير نفس السلعة التى يوفرها هاوٍ فى صناعته بدون لمساته الخبيرة لصقل سلعته وتكوينها فى صورة أكمل وأجمل وأكثر مهنية. الصحافة مهنة وحرفة، والصحفية أو الصحفى الذى يفتخر بحرفته يدرك تماما أن عليه تقديم ما بعد الخبر، وتشكيل المواضيع وتناولها بحرفية تليق بمهنته وتسمو فوق التقليد البحت و«الشير» السريع للربح الوقتى ــ والقصير المدى. ولا ينطبق هنا المقولة الشهيرة «إن لم تكن قادرا على هزيمتهم فانضم إليهم»؛ لأن الصحفى لن يتمكن من أن يتصرف فى الأخبار بنفس حرية أو سرعة مستخدمى الفيسبوك؛ لأنه ببساطة مربوط بأجندة تحريرية واسم جريدة ينتمى إليها وقيم ومبادئ مهنية تعيقه عن أن ينضم لصفوف رائد الإنترنت الهاوى. فعلى سبيل المثال، إذا نشر أحد مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى «بوست» ثم اتضح أن الخبر غير صحيح أو دقيق ثم مسحه لن يلومه أحد، ولن تهتز ثقة من حوله به أو يلطخ اسمه بعدم المهنية. ولكن الأمر مختلف تماما مع الصحفى، أو الجريدة التى ينتمى إليها، لذا فلن يتمكن أبدا الإعلام من منافسة رائد الفيسبوك فى نفس لعبته أو المحتوى المقدم منه، ولا يجدر به المحاولة لأن المقارنة لن تكون فى صالحه. لذا فالأجدر به أن يتميز فى لعبته الخاصة بقوانينه ومميزاته الخاصة.
القارئ لا يلجأ لموقع لمشاهدة فيديو مثير للجدل، ولا يتابع جريدة لقراءة إشاعات قرأها بالفعل فى «تغريدة» صديق له. القارئ يلجأ للإعلام للحصول على ما وراء الإشاعة من حيث الخبر المؤكد، والأهم والأحرى، من حيث تغطية الخبر من نواحٍ أخرى وشاملة ومختلفة. فعلى سبيل المثال، فى تغطية خبر الانتحار كان يلزم على الصحفى النظر إلى القضية من زاوية أوسع، ومناقشة مثلا البعد النفسى للموضوع ومناقشة الاكتئاب فى سن الشباب ومظاهره وكيفية التعامل معه. فبباطن الخبر المفجع ظاهرة أكثر إفجاعا، وهى جهل معظم شرائح المجتمع بالصحة النفسية أو كيفية طلب أو تقديم المساعدة فى حالة المعاناة من مرض نفسى، أو حتى تمييز أعراض المرض النفسى أو الاكتئاب عن التقلبات المزاجية الطبيعية. ووجب أيضا مناقشة زاوية الاستعدادات الطبية فى المول ذاته على وجه خاص وإلزام الأماكن العامة بتوفير الرعاية الطبية والإسعافات الأولية. وجانب كبير من الموضوع هو الضغوط النفسية التى يمر بها طلبة كليات القمة، والتى يمارسها الأهل على أبنائهم وبناتهم. أى جانب من هذه الجوانب أهم وأفيد للقارئ من عنوان مضلل أو فيديو يعرض لحظات شديدة الخصوصية فى حياة فتاة.

والأهم بالنسبة للصحفى هو أن ذلك النوع من التغطية هو الذى يميزه عن رائد مواقع التواصل الاجتماعى ويجذب القارئ للرجوع إلى الموقع، وهو أمر لن يحدث إن ضغط على العنوان المضلل ثم اكتشف واقع الأمر المخادع.
نادين السيد أستاذ مساعد بقسم الإعلام في الجامعة الأمريكية
التعليقات