عدوان آثم أيقظ مارد جيل جديد لن ينسى أبدا - نادين السيد - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 5:58 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عدوان آثم أيقظ مارد جيل جديد لن ينسى أبدا

نشر فى : الإثنين 30 أكتوبر 2023 - 9:20 م | آخر تحديث : الإثنين 30 أكتوبر 2023 - 9:20 م
منذ بضعة أسابيع وقفت أمام مجموعة من الطلاب الجامعيين أتحدث عن شخصيات بارزة فى تاريخ مصر والعالم العربى ــ لكن معظمهم لم يعرف من هؤلاء من فطاحل الاعلام أو السياسة. ثم تحدثت عن أحداث تاريخية مصيرية، مثل العدوان الثلاثى مثلا، ووجدت نفس نظرات عدم المعرفة أو عدم الاكتراث. ولم أتفاجأ فى الحقيقة، ففى أعوامى الماضية كأستاذة جامعية لمست تأثر الجيل بالغرب وانبهاره القوى بسياساته وإعلامه وشخصياته وفنه وحتى معتقداته. فأصبح للغرب فى كثير من الأحيان تأثير أقوى على ذلك الجيل من نظيره المصرى والعربى. واعتقدت أنه لا مفر لجيل قرر الانسحاب من أى فكر مجتمعى أو سياسى والانخراط فى حياة موازية منفصلة عن واقعه وهويته وتاريخه.
ولكن حدث ما حدث وانقلبت المنطقة رأسا على عقب وأيقظ العدوان الغاشم على إخواننا الفلسطينيين مارد جيل التيك توك.
فى غصون ساعات ظهر وجه آخر لجيل طالما اتهمناه باللامبالاة وعدم الانتماء والانبهار المبالغ فيه بالغرب على حساب هويته وأوطانه. فأظهر الجيل وعيا واهتماما وإنسانية وحراكا على الأرض لتقديم المساعدة والتعبير عن رأيهم على أرض الواقع وعلى مواقع التواصل. فجأة حرر العدوان الإسرائيلى إحساسا بالهوية وبالوطن. والأهم من هذا وذاك هو أن العدوان كشف عن الوجه الآخر للغرب المبهر، كشف عن وجه قبيح ليوتوبيا الغرب واليوتوبيا الأمريكية المصدرة لهم من الإعلام والفن الغربى.
لم أتخيل يوما أن يصبح جيل التيك توك والنتفليكس مهتما بالقضية الفلسطينية، ولم أتصور أن يتحول فجأة التيك توك والانستجرام لأرشيف إلكترونى لتوثيق جرائم صهيونية. ولكن الجيل المنغمس فى تريندات التيك توك ترك التريند وأخذ على عاتقه محاربة الأخبار الخاطئة والمزيفة والروايات والتغطية المنحازة، حتى وإن أدى ذلك إلى انحدار شعبيته حين يحجب الألجوريزم محتواه المساند للقضية الفلسطينية.
وبين ليلة وضحاها فقدت السى إن إن بريق المهنية حين نشرت تقارير غير مؤكدة عن مقتل أربعين طفلا رضيعا. وفقدت النيويورك تايمز رونقها الحيادى حين أهملت ضحايا غزة، وأفصح جاستين بيبر عن جانبه الأقبح حين نشر صورة طفل من غزة يحمل طفلا أصغر منه وينظر للسماء انتظارا لوقوع الصاروخ الجديد مصحوبا بتعليق يعبر عن مساندته لإسرائيل، وغيره من الكثير من المشاهير الذين عبروا عن مساندتهم غير المشروطة للموقف الإسرائيلى. وشاهدوا حكومات كانت تتظاهر بكفالة الحريات والتعبير عن الرأى تمنع التظاهر لدعم غزة حكومات مثلهم مثل أى دولة كانت تلك الحكومات تتهمها بالديكتاتورية.
فأفاق جيل من الحلم الأمريكى للاصطدام بواقع مسيس مؤلم تنهار فيه قيم المساواة والإنسانية والعدل والحرية ودولة القانون والدستور الذى يكفل الحقوق لجميع طوائف المجتمع ليظهر جانبا متحيزا بشكل فاضح مثير للغضب ولا يكترث أبدا بالحقوق الأدنى للإنسانية. ولا أعمم هنا، فالكثير من الأمريكيين والأوروبيين أدانوا العدوان الإسرائيلى. ولكن الحكومات والإعلام والكثير من الأفراد والشخصيات التى كانت منذ شهر واحد مؤثرة كشروا عن أنيابهم وإنسانياتهم المنعدمة وكيلهم لقضايا الحقوق والحريات والإنسانية بعدة مكاييل.
وكأنما يذكرنا الزمان كلما أوشكنا على نسيان الانتهاكات الإنسانية من عدة دول عبر التاريخ والانجراف وراء الحلم الغربى بكارثة جديدة تضاف إلى تاريخ ملطخ بدماء أجيال عديدة تسلم راية القضية الفلسطينية. مشهد مقتل الطفل محمد الدرة فى أحضان أبيه عام ٢٠٠٠ رسخ القضية فى ذهنى وأذهان جيلى. والآن، رسخت آلاف المقاطع والصور والحكايات القضية الفلسطينية فى أذهان جيل جديد استبدل أغانى بيبر بأغنية المقاومة «شدوا بعضكم يا أهل فلسطين»، مثلما استبدل جيلى أغانى كثيرة بأوبريت «الحلم العربى» وقبلنا أغنية فيروز التاريخية «زهرة المدائن». فلا أظن أبدا أن ينسى الجيل صور أطفال تحت الأنقاض كانوا قد تحاموا فى مستشفى من القذف الممطر عليهم من جميع الجهات.
وغالبا لا تدوم تلك الصحوة وسرعان ما تنفض الانتفاضة العربية ويتلاشى زخم التضامن والمشاعر والغضب. ولكن لا ننسى. نمضى إلى الأمام، وينفض المولد، لكن لا ننسى. ولا نسامح.
ومثلما ترسخت صورة الطفل الدرة فى ذهن جيلى لنتذكر دائما وأبدا قضية فلسطين ووجه الغرب غير المشرق، ترسخت أيضا صور قتلى المستشفى وردود أفعال حكومات الغرب والكثير من أفراد شعوبه فى أذهان جيل جديد، لينطفئ البريق، ويتلاشى الانبهار، وليتذكر جيل جديد. ولا ينسى.
نادين السيد أستاذ مساعد بقسم الإعلام في الجامعة الأمريكية
التعليقات