دفاتر قديمة - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الخميس 22 أغسطس 2019 2:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





دفاتر قديمة

نشر فى : الأربعاء 26 ديسمبر 2018 - 10:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 28 ديسمبر 2018 - 11:27 ص

هى أهرام من الدفاتر اهترأت أطرافها مكومة على رف فى مكتبة، تشرق عليها الشمس وتغرب من خلف الشباك. دفاتر كتبت عليها خواطر ووصفات للطبخ، مع أرقام هواتف فى أسفل الصفحات غالبا دون أسماء أصحابها، واعدا نفسه أن يكتب باقى التفاصيل لاحقا، وينسى حين يعود إلى تلك الصفحة مع من كان يتحدث ورقم من سجل هناك، على طرف الصفحة.
***
فى الدفاتر القديمة أحداث يومية كانت مهمة لحظة تدوينها، تطورات سياسية، مواعيد تسليم مقالات، تواريخ لقاءات مع أصدقاء، لوائح مدعوين إلى حفلات، وصفات تم نقلها بسرعة فى الساعات الأخيرة قبل تحضير العشاء، أعطتها أم لابنتها عبر الهاتف والمحيط. فى الدفاتر القديمة أسماء ناس يبدو أن الحياة قد ابتلعتهم قبل أن أودعهم.
***
فى الأسبوع الأخير من السنة تنتشر المعايدات فيظهر وجه تغيرت ملامحه، ويأتى من بعيد صوت أكلت من رنته السنوات دون أن يفقد دفأه. كل عام وأنتم بخير، جملة تحمل معنى ولا معنى لها أحيانا، سوى أنها تفتح صفحات ظننت أننى طويتها فأراجع نفسى. لماذا لم أعد أرى تلك الصديقة؟ لا أذكر وأبدأ بتقليب الصفحات بيد، بينما أرد على معايدتها باليد الأخرى. نتمنى أن نرى بعضا فى السنة الجديدة وأعرف أن ذلك لن يحدث. ربما من الأفضل أحيانا ألا نفتح أى دفاتر قديمة، وأن نترك هناك، بين صفحاتها، قصصا أزعجتنا ونسيناها، التصقت بالورقة كوردة نشفت هى الأخرى بين الصفحات ولم أعد أذكر من أعطانى إياها ولا أذكر أهميتها.
***
أتجول فى عالم افتراضى لونه أزرق بعد يوم ملىء برائحة الكعك وباللونين الأحمر والذهبى فأرى أطفالا لم أعلم أنهم ولدوا وأقرأ دعوات بالسكينة لأرواح رحلت عن دنياى. أذكر ذلك الرجل، والد صديقتى، فى أيام شبابه حين كان بوسع نظرة منه أن تجمدنى فى مكانى. زوجته امرأة شديدة الحساسية واللطف، كانت تغنى مع جوقة الكنيسة وتدور حولنا فى بيتها بصوان مليئة بالطيبات. ها هو رحل وهى جدة ترى النور فى أعين أحفادها. فى دفاترى عدة وصفات أخذتها منها على أمل أن أكون فى يوم ما أسرة أعتنى بها كما اعتنت هى بعائلتها. العالم الافتراضى كفيل بمصالحتى مع ناس كتبت فى أحد دفاترى أننى لن أتكلم معهم. لن أفتح الدفتر، سوف أرد على المعايدة، فمن منا لم يتغير؟
***
تكثر الإشارات إلى المحبة والتسامح فى هذه الأيام من السنة، وأراجع مواقف أخذتها ودونت تفاصيلها يوما صار بعيدا كل البعد عن الشخص الذى أصبحته اليوم. لا حقيقة كاملة لدى، ورغم أننى لم أنسَ ملامح الوجوه ونبرات الأصوات إلا أننى ربما وقتها تسرعت بموقفى الصارم، ربما لم أملك ما يكفى من المسافة لتجاوز مطب فى العلاقة. فى المراجعة نوع من التصالح، مع الذات ومع الآخرين، ربما كان ذلك الفيلسوف القديم محقا حين قال إننا لا نستحم فى الماء ذاتها مرتين، فالجدول يسير ويشطف معه الغضب وها أنا أخرج منه أخف من ذى قبل، ربما لأننى تركت فيه بعض القصص الحزينة.
أجلس إذا أمام هرم من الدفاتر وأتساءل إن كنت أريد فتحها. أقلب بسرعة صفحاتها ولا أتوقف عند قصص دونتها حين استحميت فى الجدول منذ سنوات. لا يهم إن كان موقفا حفر فى قلبى ندبة صغيرة، لم يتوقف قلبى عن الخفقان. أترك الدفتر إذ لم يعد يعنينى محتواه.
***
يقال إن التخلص من أثر الأحزان عملية مستمرة، لا بداية ولا نهاية لها إذ إنها تدور كالحصان الذى يشد عربة الماء فى البئر، عملية مستمرة تتغير فيها المياه ويساعدنا الزمن فى التعايش مع أحداث ظننا لوهلة أنها هائلة. أظن أن أكثر ما فى الدفاتر يبهت مع الوقت إلا الموت، رحيل من أحب لا يبهت إنما أتعلم كيف أتعامل معه.
***
سيبقى صوت من أحب يملأ صفحات دفاترى القديمة لكنى فى السنة الجديدة سوف أملأ حياتى بأصوات من أحب وأشم رائحتهم إذ لا يمكن حشر الرائحة فى الدفتر.
***
هى الأيام الأخيرة من كل سنة تلك التى تفرض شريطا من الوجوه لا يتوقف، يأتى مع قصص تعود إلى الحياة فأفكر فيما أبكانى يوما، وأفلت ذلك الموقف من يدى. قد يسكن بعض الحزن فى القاع كبقايا السكر فى الشاى، لكنى أعرف أننى استمتعت بكل قطرة فى الكوب، وحاولت تحريك السكر عله يذوب. ما علينا، سأتركه هنا فى القاع. أو ربما آخذ منه قطرات ألصق بها صفحات الدفاتر القديمة على أسماء وقصص لن أعود إليها، وهكذا أكون قد طويتها بإحكام.
***
فى الدفتر الجديد أرسم فراشة صغيرة فى الركن السفلى، سترافقنى وأنا أملأ الصفحات بتدوينات عن التطورات السياسية وأرقام هواتف أسجلها على عجل، وسوف أكتب فى الهامش وصفة آخذها من صديقة وأقارنها بأخرى مشابهة لها أعطتنى إياها أمى. وبعد سنوات، سوف أدخل أصبعى فى كوب من الشاى انتهيت منه وأضع بعض السكر على الصفحات لتلصق. هكذا تنتهى الدفاتر القديمة، على الأقل بالنسبة لى.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات