أن تكون موجودًا يعنى نسيان ما حفظته - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 29 نوفمبر 2025 4:45 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

كمشجع زملكاوي.. برأيك في الأنسب للإدارة الفنية للفريق؟

أن تكون موجودًا يعنى نسيان ما حفظته

نشر فى : الخميس 27 نوفمبر 2025 - 6:40 م | آخر تحديث : الخميس 27 نوفمبر 2025 - 6:40 م

«أن تكون موجودًا يعنى نسيان ما حفظناه»، هو عنوان مقالة للصحفية الفرنسية جوليميت فور Guillemette Faure، نشرت فى مجلة Sciences Humaines - العدد 381/سبتمبر الماضى، تشير فيها إلى أن ثمة ذعرًا اجتماعيًا حيال الذكاء الاصطناعى، الذى سينتهى معه الأمر بأن ينسينا كيف نقرأ، وكيف نكتب ونفكر.. قبل أن تعود لتسأل ما إذا كان نسيان ما حفظناه ضروريًا للتطور؟
فى يونيو من العام الجارى 2025، أظهرت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بعنوان: «دماغك علىChatGPT»، أنه بعدما تم استخدامهم الذكاء الاصطناعى بشكل مكثف للكتابة، لم يعد بمقدور 80 فى المائة من الطلاب تذكر ما قاموا بكتابته. الأسوأ من ذلك، أنه بعد مرور 4 أشهر على الاستعانة بـ«شات جى بى تى» فى عملهم الكتابى، تدنى مستوى الكتابة لديهم عن مثيله لدى الشباب الذين لم يستخدموه يومًا. لقد راكمت أدمغتهم نوعًا من «الديون المعرفية»: بمعنى آخر، وباسم راحة فورية، تخلوا عن قدراتهم العقلية على المدى الطويل. هذه الصورة تجعلنا نستحضر إلى حد ما شخصًا معينًا يستخدم المصعد بشكل دائم: فهو يصل بسرعة، لكن بعد بضعة أشهر، نلحظه وقد فقد عضلاته وبات يصعد الدرج ببطء أكثر.
لم ننتظر «شات جى بى تى» حتى نلحظ آثار الأدوات التى تسهل لنا حياتنا. فلو لم نكن قد فقدنا جزءًا من مرونتنا أو سرعتنا فى الحساب الذهنى بفعل استخدامنا الآلات الحاسبة، لكنا قد أصبحنا أقل عرضة للوقوع ضحايا الإعلانات التى تسعى إلى بيعنا هواتف مقابل صفر يورو، بالإضافة إلى ثمانية يورو شهريًا لمدة عامين. مؤخرًا، أظهرت دراسة نشرت فى العام 2020 لباحثتين من جامعة مكجيل McGill الكندية، أن الأشخاص الذين يستخدمون نظام تحديد المواقع (GPS) بانتظام، لديهم ذاكرة مكانية أقل جودة من تلك التى يمتلكها أولئك الذين يتحركون بأنفسهم ومن دون الاعتماد على أى شىء آخر.
هل من السيئ أن نتخلى عما تعلمناه؟ فى النهاية، يتطلب الكثير مما تعلمناه التخلى عنه فى البداية. لنأخذ الرياضة والموسيقى كمثال. فى حال بدأت بممارستهما بمفردك وترغب فى التقدم من طريق المساعدة، فسوف يشير إليك المعلم أو المدرب أولا إلى ما تحتاج إلى التخلص منه فى هذا الصدد. الدكتور فى علوم التربية جاك ماربو Jacques Marpeau يتناول حالة الطفل الذى يتعلم السباحة (وليس الرضع أو أطفال السباحة): "يطلب منه إلغاء بنية الأمان خاصته، وهى الإبقاء على الجسم بوضع عمودى أو رأسى، بغية تبنى الوضع الأفقي؛ يتعلق الأمر بتفكيك المعرفة المكتسبة من أجل البقاء". يعطى أيضا مثالا عن تسلق الصخور: المتسلق المبتدئ، العالق على جرف (أو منحدر صخرى شاهق)، عليه التخلص من التوتر. يتم الشرح له أن الأفضل بالنسبة إليه هو أن يرخى ذراعيه ويستريح من خلال الاستلقاء إلى الخلف. هو يتفهم ذلك ويستوعبه، لكن على بعد 5 أمتار نحو الأعلى، يعود به رد الفعل الانعكاسى للبقاء (أو رد الفعل اللاإرادى حيال محفز خطير) فى وضعية العمودية أو الرأسية.
يذكر جاك ماربو أيضًا والده، ويستحضره شارحًا له كيف أنه من الأفضل، لدى عبور نهر اللوار، أن يستلقى المرء على ظهره تاركًا نفسه للتيار كى يحمله بدلًا من محاولته محاربته.
نسيان ما حفظناه أو ما تعلمناه يعنى التكيف المفرط مع المُلح والفورى، وهو الأمر الذى يستلزم الثقة بالشخص الذى يصوغ النصائح ويقدمها.
• • •
نرى هنا أن التخلى المتعمد أو المقصود عما تعلمناه أصعب بكثير من النسيان. فقدان قدرتى على نطق بعض الجمل باللغة الألمانية بعد عشرين عامًا من دراستى، لم يتطلب منى أى جهد خاص. فى حين أن التخلص من الأشياء القديمة يتطلب من المرء التخلى عن ردود الفعل التلقائية، وتقبل المرحلة الانتقالية التى يشعر خلالها أو يكون، بفعل التغيير، أقل جودة قبل أن يصبح أفضل حالًا. وهذا يتطلب أيضًا عدم الخوف من ارتكاب الأخطاء أو من نظرة الآخرين أو مما يعتقدونه. عندما يقوم سائق اعتاد على قيادة سيارة بنظام يدوى بقيادة سيارة بنظام أوتوماتيكى، يتعين عليه خلال الكيلومترات القليلة الأولى، أن يتخلى عن الإيماءات التلقائية (نسيان الدبرياج، التوقف عن البحث عن ناقل الحركة أو عصا نقل الحركة فى الفراغ). العادة التى كانت تسهل عليه حياته تغدو عقبة).
جاك ماربو، الذى درس كثيرًا عمل معلمى أو مربى أطفال الشوارع، لاحظ أن التخلص من التعلم قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشباب غير الآمنين. وهذا ما يلاحظ أيضًا فى عالم العمل. «التخلى عما تعلمناه هو التخلى عن مجالات اليقين والقوة والراحة». هذا ما كتبته إيزابيل بارث Isabelle Barth الباحثة فى علوم الإدارة فى مجلة الإدارة والاستراتيجية Revue de Management et de Stratégie 2016. التخلى عما نعرفه، تضيف الباحثة، «يعنى مغادرتك الشخص الذى كنت تعتقد أو كنت تعتقدين أنك كنته أو أنك كنته. وهذا ما يثير الخوف، وما يدعو إلى الرفض والمقاومة. فكما هو معروف، تشكل ظاهرة فقدان الهوية المهنية مصدر العديد من المخاطر النفسية والاجتماعية».
ما يصح على الأفراد يصح أيضًا على المنظمات. «من أجل تفادى الأزمات التنظيمية، تخلصوا من التعلم» يقول الباحثان المختصان بالإدارة وليم ستاربوك William Starbuck وبول نيستروم Paul Nystrom، مشيرين إلى أنه خلال الأزمات الكبرى، تقوم غالبية المؤسسات باستبدال كبار إدارييها المعتبرين كعقبات تحول دون التخلص من العادات السيئة ودون الانفتاح على طرق جديدة للقيام بالأمور. أعمال هذين الباحثين تعود إلى عقد سنوات 1980، وهذه الرؤية التعاقبية التسلسلية (التخلص مما تم تعلمه ثم إعادة تعلمه) أفسحت المجال منذ ذلك الحين لأعمال تظهر أن التعلم والتخلص منه يمكن أن يكونا متزامنين.
• • •
التعلم والتخلص منه، أو التعلم ونسيانه هما دومًا عملية واحدة، وهى التعلم! وقد سبق للباحث فى علم الأعصاب ألبرت مخيبر Albert Moukheiber أن أشار فى بودكاست جيل افعل ذلك بنفسك Generation do it yourself: «نحن نتحدث فى كثير من الأحيان عن تعلم كيفية التعلم، لكن فى كثير من الأحيان يكمن التحدى فى تعلم كيفية التخلى عما تعلمناه». وأضاف مخيبر شارحًا «إن الأصعب فى الأمر يكمن فى نسيان العادات السيئة، وهو ما يصح أيضًا على الآراء. إذا كان لدى أى رأى قوى بشأن خيار ما، ينبغى على أن أتمكن من فك الارتباط به بغية اكتساب رأى آخر». وهذا هو السبب الذى دفعه إلى بذل قصارى جهده لمقاومة الرغبة فى إبداء آراء قوية أو صارمة حول موضوعات لا يعرفها.. وذلك لكى لا يترتب عليه التخلص منها.
استيعاب فكرة جديدة يتطلب من الشخص أن يتحدى أنماط تفكيره المعتادة، وأن يفكر خارج الصندوق. وهذا يعنى بقدر كبير المحترف الذى يساءل مناهجه أو طرق عمله بقدر ما يعنى الوالد الذى يراجع يقينياته التربوية أو التعليمية. ولتنمية ذهنية الاستكشاف هذه، يمكننا بدلًا من سؤال الطفل «ماذا تعلمت اليوم؟»، أن نسأله عما لم يتعلمه اليوم. وفى تجاهل لـChatGPT، يتساءل الباحثون فى الذكاء الاصطناعى أيضًا عن كيفية دمج القدرة على النسيان فى الآلات كى لا تصبح حبيسة أنماطها الخاصة!
الابتكار يفقدنا فى جميع الحالات عددًا من القدرات؛ إنه دائمًا حل وسط بين ما نكتسبه من راحة أو كفاءة وما نضحى به من معرفة. يعرف عدد أقل بكثير من الناس فى الوقت الحاضر، كيفية خياطة الأزرار أو زراعة الطماطم، مقارنة بما كانوا عليه بعد الحرب، لكون هذه الخدمات قد أصبحت متاحة بطرق أخرى.
لكن لكى لا نعانى من تبعات التخلص من معارفنا بشكل سلبى، يغدو السؤال هنا سؤالًا عن نيتنا أو توجهنا حيال ذلك: هل نحن نعى ما سنتخلى عنه وكيف سنعوض عنه؟ حين سمحت لنا العجلة بالتنقل بشكل أسرع على حساب عضلات مقدمة الفخذ، والتضحية بما يوفره لها السير على الأقدام من صلابة وقوة، لم نتخلَ عن التنقل، ورحنا نتجه إلى صالات الرياضة وإلى احتساب خطواتنا. فكيف سيبدو تدريب أدمغتنا إذا سمحنا للذكاء الاصطناعى بالتفكير والكتابة نيابة عنا؟

رفيف رضا صيداوى
مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى

التعليقات