يعمل السيد فلان موظفًا حكوميًا كبيرا. استغل الرجل نفوذه المعلوماتى لتحقيق ثروة طائلة؛ فمن خلال معرفته بكواليس السوق العقارية، اشترى وحدات بأسعارها الأولية ليعيد بيعها بأرباح خيالية.
وبفضل تلك العوائد السخية، استطاع أن يتوسع بشراء عدد آخر من الوحدات، بعضها فى قرى السواحل المصرية ليؤجرها للمصطافين، وبعضها لاستخدامه العائلى وللتسقيع، والبعض الآخر لتزويج أبنائه.
وهكذا تحول السيد فلان خلال عقد من الزمان من موظف حكومى دخله السنوى بضع مئات من آلاف الجنيهات إلى صاحب أملاك يلعب فى مئات الملايين من الجنيهات. فهل يجب أن يدفع بطلنا ضرائب عن تلك العقارات والدخول التى ربحها منها؟
إذا سألنا السيد فلان نفسه، سوف يجيب قطعًا بالنفى، متعللًا بضعف الدخل الحكومى، والتضخم والتعويم اللذين أكلا قيمة الفلوس، وبحجم المجهود المبذول لإدارة وصيانة تلك العقارات، وأخيرًا بضرورة أن يوفر العريس الشقة لبيت الزوجية فى أعرافنا المصرية، وقد يتطرق إلى سوء الأحوال الاقتصادية التى أدت إلى ضعف موسم التأجير الصيفى، فتعطل رأس ماله عن إدرار أى دخل يُذكر.
وإذا سألنا المهتمين بالعدالة الاجتماعية، فسوف تكون الإجابة بنعم، مرحبين بضرائب على ما يملكه هذا الرجل من عقارات متعددة، ومن دخل الإيجارات، ومن أرباح البيع. فإلى أى جانب انحاز البرلمان، ومن خلفه الحكومة؟ وإلى أى جانب يمكن أن تنحاز القاعدة العريضة من المواطنين؟ قبل أن يجيب المقال عن هذا السؤال، لنتأمل فى أوجه الإعجاب بهذه الضريبة.
سوف يقول فريق العدالة الاجتماعية والحق فى السكن: نحب الضرائب العقارية لأنها لا تمس سوى أغنى الأغنياء، وتعم فائدتها على الجميع، أغنياء وفقراء.
وإذا سألت الاقتصاديين عن أقل الضرائب إيلامًا للنشاط الاقتصادى، فسوف يجيبون: الضريبة على العقارات الفارهة.
الضريبة العقارية، إذا كانت تزيد مع تزايد عدد البيوت المملوكة للشخص نفسه، وخاصة المغلقة منها، فإنها تُهذِّب من ميل المستثمرين إلى أن يضعوا كل فوائضهم المالية فى شكل عقارات.
فهى، بالرغم من كل الفائدة الشخصية التى عمت على السيد فلان، لم ينتج عنها توظيف يُذكر أو قيمة مضافة للبلد. هى رأس مال «ميت». وذلك على عكس الاستثمار فى الصناعة والزراعة، اللتين تمتازان بما يسمى كثافة التشغيل، واتساع حلقات النشاط الاقتصادى الذى يتولد عنهما، ما نسميه بالتشابكات الأمامية والخلفية. فالاقتصاد ينشط بمبدأ «الشىء لزوم الشىء». الزراعة مثلًا تستلزم الحصاد، ثم التعبئة، ثم التخزين، ثم النقل، ثم التصنيع، ثم التوريد للأسواق، وهى ما نسميها تشابكات أمامية. كما تستلزم التمويل والتأمين والتأهيل، وهى تشابكات خلفية. وكل خطوة تحتاج بدورها إلى أيدٍ عاملة وإلى معدات، مما يحفز مصانع إنتاج المعدات، وهكذا.
أما حين تذهب أموال الأغنياء إلى عقارات ومبانٍ، فإنها تفوت على الاقتصاد فرصة توسع كل تلك الأنشطة.
12 مليون وحدة سكنية خالية
ولكننا فى الواقع لا يمكن أن نفهم أهمية الضريبة العقارية من دون أن نتأمل فى حال كريم وريهام. يبحث الثنائى عن شقة للإيجار، فلا أمل لهما فى شراء واحدة، رغم أنهما فى جولاتهما يريان صفوفًا من عمارات كاملة شبه خالية.
تواجه مصر مفارقة وجود أكثر من 12 مليون شقة شاغرة مقابل أزمة سكنية حادة، فاقمها التوجه نحو «الإيجار السياحى» قصير الأجل. يرى فريق العدالة الاجتماعية أن الضريبة العقارية المصممة جيدًا هى الحل الأمثل؛ فهى تحفز الملاك على التأجير السكنى، وتوفر إيرادات ضخمة للحكومة بأقل تكلفة، دون المساس بالأغلبية، رغم ضعف تحصيلها حاليًا حول العالم، وخاصة فى مصر وإفريقيا.
نادى الأغنياء يعانى من أغنيائه
تنظر دول العالم عادة إلى نادى الدول المتقدمة كى تتعلم أفضل الممارسات، وهو ما قامت به ورقة صدرت حديثًا عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: «أربعة أسباب فى محبة الضريبة العقارية».
تُسلط الورقة البحثية الضوء على تجارب منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (38 دولة)، حيث تفرض هذه الدول ثمانية أنواع من الضرائب العقارية، تبرز من بينها «الضريبة السنوية على العقارات المبنية» كأهم مورد مالى. وبينما تكتفى مصر بتطبيق ثلاثة أنواع فقط، مع منح معاملة تفضيلية للمسكن الخاص، تتبنى المنظمة رؤية إصلاحية تنادى بتشديد هذه الضرائب.
لا يقتصر الهدف هنا على جباية الأموال فحسب، بل يمتد لمحاربة اللامساواة، وتنشيط سوق الإيجارات طويلة الأمد، وتسهيل حركة الانتقال السكنى. ورغم تكدس الثروات فى القطاع العقارى عالميًا، لا تزال الحصيلة متواضعة، إذ تتراوح بين 1% فى الدول الصاعدة مثل المكسيك وبيرو ورومانيا وإندونيسيا، و3% فى الدول المتقدمة مثل إنجلترا وألمانيا، مما يكشف عن فجوات قانونية واسعة تصب فى مصلحة كبار الملاك وتستوجب مراجعة شاملة. فأين تقع مصر من تلك النسب؟
العقار لا يأكل ولا يشرب
تتسم مصر، أكثر من غيرها، بتراكم معظم الثروات فى شكل عقارات؛ إذ إن 80 جنيهًا من كل 100 جنيه ثروة مكدسة فى شكل عقارات. ومع ذلك، فالحصيلة الضريبية على تلك العقارات لا تُذكر، بسبب تصميم القانون واتساع التهرب.
وهكذا، تحتاج مصر إلى أن تزيد حصيلة الضريبة العقارية 28 ضعفًا كى تصل إلى مجرد 1٪ من الناتج المحلى الإجمالى، أى أقل نسبة بين دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية.
إذن، إذا كانت المشكلة كبيرة فى الدول المتقدمة، ولا تجمع الحكومات ما يكفى من ضرائب على العقارات، فالمشكلة أضعافًا مضاعفة فى مصر.
فنتيجة ضعف الضرائب فى مصر، تصدق مقولة «العقار لا يأكل ولا يشرب»، إشارة إلى ضعف تكاليف الاحتفاظ به.
وهنا يصبح السؤال: هل تعالج التعديلات الأخيرة التى وافق عليها كل من الحكومة والبرلمان بعض أو كل أهداف الضريبة العقارية؟
هدف زيادة الحصيلة، أو هدف تهذيب النشاط المضارب فى العقارات، أو أدنى درجات العدالة وإعادة توزيع الثروات؟
وافق البرلمان مؤخرا، فى جلسة واحدة فقط، على تعديل قانون الضريبة العقارية. للمقارنة، استغرقت النقاشات حول الضريبة العقارية فى بداية الألفينات أكثر من أربع سنوات. بل ووافق مجلس النواب على تعديل حكومى تشوبه شبهة عدم الدستورية. وانصبت نداءات معظم النواب على إعفاء المسكن الأول تمامًا من أى ضريبة مهما ارتفع ثمن العقار. وانتهى الأمر بتمرير تعديلات برلمانية أكثر حفاظًا على حقوق كبار الملاك من المقترح الحكومى.
أهاها.. أوهوهو.. السيد فلان مبسوط
تتطلب العدالة فرض ضرائب تصاعدية على تعدد الوحدات وشغورها، مع إعفاء السكن العائلى حتى لو هبةً إلى الأبناء والأقارب. ولتحفيز الاستثمار، تُخفض الضريبة مع طول مدة الإيجار، وتُغلظ على أرباح المضاربات السريعة؛ لئلا تظل ملايين السيد فلان حبيسة جدران صامتة، بدلًا من ضخها فى شرايين الاقتصاد المنتج.
تتغافل أيضًا كل من الحكومة والبرلمان عن الجانب الأهم للضريبة العقارية بوصفها ضريبة محلية بامتياز. فبدلًا من ضياع الحصيلة الضريبية فى خزانة عم دهب، يجب توجيه عوائد القصور والفنادق فى محافظة مثل أسوان والساحل الشمالى لتنمية المجتمعات الفقيرة المحيطة بها.
وهكذا تقترح الممارسات الفضلى ربط حدود الإعفاء بالقيم السوقية المتفاوتة بحسب الأحياء، لضمان العدالة وتخفيف مقاومة الدفع. فمن غير المنطقى إعفاء كل قصور وفيلات الأقاليم الأفقر مثل سوهاج والفيوم مثلًا. إن منح السلطات المحلية صلاحية تحديد الإعفاءات يضمن توزيعًا عادلًا للأثر التنموى، ويحول الضريبة إلى أداة مباشرة للنهوض بالخدمات المحلية، بعيدًا عن «خزينة الدولة» المركزية.
الخلاصة: الضريبة -أى ضريبة- هى أداة مهمة فى يد صانع القرار، وتصميمها عملية مركبة تحتاج إلى نقاشات واسعة تشترك فيها جميع فئات الشعب؛ حيث ينبغى دائمًا أن ننظر بعين إلى الحصيلة، وبعين أخرى إلى الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وتقاس شطارة الحكومات بمدى قدرتها على الموازنة بين المصالح المختلفة.