تشبع البطون وتجوع الخلايا - هنا أبوالغار - بوابة الشروق
الإثنين 16 سبتمبر 2019 9:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



تشبع البطون وتجوع الخلايا

نشر فى : الأحد 28 أبريل 2019 - 10:00 م | آخر تحديث : الأحد 28 أبريل 2019 - 10:00 م

جسم الإنسان مكون من ملايين الخلايا، كل خلية لها شكل ووظيفة، هذه الخلايا تشكل الجلد والعظم والعضلات أو الأعضاء الداخلية من جهاز هضمى وتنفسى وكلى وكبد.. إلخ.

المخ به مركز معنى بالجوع والشبع، هذا المركز يتلقى إشارات عصبية من المعدة إذا كانت خاوية أو مليئة كما أنه يقرأ نسبة السكر فى الدم سواء كانت كافية أو منخفضة، وبناء عليه يحس الإنسان بالجوع فيبحث عن الأكل أو الشبع فيتوقف عنه. هذا المركز لا يقرأ القيمة الغذائية للطاقة التى تصله، أى أنه لا يفرق بين ما إذا كانت هذه الإشارات نابعة من غذاء يحتوى على عناصر الأكل التى تحتاجها كل خلية فى جسمنا من بروتين ونشويات ودهون صحية وأملاح ومعادن مثل الحديد والزنك وفيتامينات أم لا، فالإحساس بالشبع يحدث بمجرد امتلاء الأمعاء بالأكل وارتفاع مستوى السكر فى الدم.
«سوء التغذية» هو مصطلح علمى يستخدم فى الطب وأيضا فى الاقتصاد لدراسة الأمراض المرتبطة بجودة وكمية الغذاء المتاح للأفراد فى العالم خصوصا الأطفال. وتستخدم لتحديد تأثيرهما على الصحة والنمو والقدرة على العمل والإنتاج وعلى العبء المحمل على الدولة نتيجة للأمراض المرتبطة بسوء الغذاء سواء لتأثيرها على الإنتاجية أو على العبء المحمل على ميزانية الدولة فى قطاع الصحة.

هذا المصطلح يشمل «الجوع» وهو نقص الطاقة الحاد والذى يؤدى إلى نحافة وهزال شديد ومعه ألم نفسى حقيقى بسبب هذا الإحساس ومعاناة جسدية بسبب فشل الجسد من خلايا وأنسجة فى العمل بشكل عام، وهى الصورة الإعلامية المرتبطة فى ذهننا بضحايا الجفاف فى إفريقيا والذين رأيناهم خصوصا فى أوائل الثمانينيات فى التليفزيون والجرائد وما زلنا نراهم فى ظروف الحرب والتهجير.

«الجوع المستتر» وهو اكتفاء من الطاقة فلا يحس الشخص بالجوع لكن يصاحبه نقص شديد فى واحد أو أكثر من عناصر الغذاء الأساسية، عادة ما تكون البروتين والحديد والزنك وبعض الفيتامينات مثل فيتامين أ فى الأكل اليومى للفرد، وبالتالى خلاياه وأنسجته وجسمه بشكل عام حجمها قريب من الطبيعى ويقومون بوظيفتهم بدرجة ما لكن ليس بالكفاءة المطلوبة. يندرج تحت هذا البند «الأنيميا» الناتجة عن نقص الحديد والمسئولة عن حمل الأكسجين إلى أنسجة الجسم ويندرج أيضا «التقزم» (قصر القامة) أى أن الطفل لا يصل إلى طوله المتوقع لسنه وجيناته وهو مقياس ليس للطول وإنما لوصول المخ والجهاز المناعى وأجهزة أخرى إلى أفضل حجم ووظيفة ممكنة لها.
أما «السمنة» فهى إحدى أمراض سوء التغذية التى زادت نسبتها كثيرا فى آخر عقد فى العالم كله والتى تعنى زيادة فى كمية الطاقة المستهلكة للفرد عن احتياجه بحيث تترسب الدهون بشكل غير صحى فى خلايا الجسم وينتج عنها أمراض فى الكبار والصغار على حد سواء فى القلب وضغط الدم والسكر والجهاز المناعى والتنفسى وغيرها، وهذه الزيادة فى استهلاك الطاقة لا تعنى بالضرورة سد احتياجات الطفل من البروتين والمعادن والفيتامينات الأساسية التى يحتاجها الجسد. وبالتالى فالفرد قد يعانى من سمنة وجوع مستتر وتقزم منفردين أو مجتمعين دون أن يصاحبه الجوع الذى ينبه الشخص إلى وجود مشكلة فى غذائه إلا بعد ظهور الأمراض عليه.

العالم ما زال به ٨٠٠ مليون شخص يعانون من الجوع يعيش ٩٠ بالمائة منهم فى ٣٦ دولة من دول العالم الـ ١٩٥، للأسف مصر تقع ضمن هذه الدول، وما زال ثلاثة ملايين طفل فى العالم يموتون قبل سن الخامسة سنويا بسبب سوء التغذية أو الأمراض المرتبطة به معظمها مرتبطة بالنزلات المعوية أو النزلات الشعبية والالتهاب الرئوى القاتل. وقد صدر فى عام ٢٠١٧ تقرير الغذاء العالمى عن الأمم المتحدة ليعلن أن كل بلاد العالم بدون استثناءات تعانى من أحد أمراض سوء التغذية (الجوع، الجوع المستتر، التقزم، السمنة) إلى درجة أن واحدا من كل ثلاث من سكان العالم مصاب بأحد هذه الأمراض.

استطاعت مصر أن تحارب الجوع، ونزلت معدلات النحافة الشديدة إلى أقل من ٨٪ والأطفال ناقصى الوزن إلى ١٤٪ من الأطفال دون الخامسة فى العقود الأخيرة، وبالرغم من كونها ما زالت عالية فإنها تحسنت بسبب سد الاحتياج للغذاء عالى الطاقة، لكن واكبها ارتفاع فى معدلات التقزم وهو ما يعانى منه ٢١٪ من الأطفال المصريين دون الخامسة ونقص الحديد ونسبته ٢٥٪ من الأطفال والسمنة تتعدى الـ٣٣٪ من الأطفال أقل من ١٥ عاما وذلك بسبب سوء القيمة الغذائية لهذا الأكل. مشكلة التقزم لا تكمن فى طول الطفل ولكنها انعكاس لنمو المخ وحجمه وتعنى أن هؤلاء الأطفال لن يحصلوا على فرصهم العادلة فى نموهم الذهنى وأدائهم الأكاديمى.. والأبحاث أثبتت أن هذا ينعكس على فرصهم فى العمل وقدرتهم على الارتفاع بمستوى المعيشة لأسرهم وتقلل من إنتاجية الشعب المصرى بحوالى ٣٧٪ (التقرير السنوى للبنك الدولى لعام ٢٠١٧ حول التكلفة الاقتصادية للتقزم). نفس هذا التقرير يربط التقزم (وهو أحد المعايير المستخدمة لقياس تنمية الدول) بظروف أسرية: الرضاعة الطبيعة فى الستة أشهر الأولى، كمية وجودة الغذاء عند دخوله للطفل عند ستة أشهر من العمر، صحة الأم وغذائها، الرعاية النفسية والجسدية التى يحصل عليها الطفل فى أول ٣ أعوام من حياته. ومجموعة ظروف مجتمعية تؤثر مباشرة على نسب التقزم فى مجتمعات بعينها: نسب التعليم وجودته، الاستقرار الاقتصادى، وفرة المياه والتلوث البيئى، شبكة الرعاية الصحية وجودتها، تمكين المرأة. وكلها عوامل تفسر وجود التقزم فى مجتمعات دون أخرى.

أول ١٠٠٠ يوم من عمر الطفل منذ التكوين داخل الرحم (حيث يعتمد على غذاء الأم وصحتها) مرورا بأعوامه الاثنين الأولى فاصلة فى تحديد تكوينه الجسمانى والذهنى ومعتمدة فى الأساس على غذائه وهى الفترة التى يمكن فيها التدخل لإصلاح أمراض سوء التغذية وهى التى يجب فيها متابعة وزن وطول الطفل وتوعية الأسرة بأهمية الغذاء السليم بشكل دورى والاستثمار فيه هام، حيث إن الطفل إذا تخطى عامه الرابع يصبح إصلاح ما فسد شبه مستحيل.

الأسرة المصرية كانت وما زالت فقيرة، والقدرة المالية لها ما زالت ضعيفة، لكن أضف إلى الفقر تغييرا خطيرا فى الثقافة الغذائية سببها إلى جانب الفقر استبدال الغذاء المصرى التقليدى من بقول وخضراوات والأرز بكميات كبيرة من الكيك والبطاطس المحمرة والعصائر المصنعة كلها عالية الطاقة بما فيها من سكريات والنشويات المشبعة المليئة بالمواد الحافظة والألوان والطعم الصناعى والتى أصبحت أكلا يوميا لكل طبقات المجتمع ووجدت فيها الأسرة المصرية مع كثرة عدد الأطفال وقلة الموارد مخرجا لسد جوع بطون أبنائها.

النتيجة أننا بالرغم من تغلبنا على جوع البطون بشكل جزئى فإن خلايا أجسام أطفالنا جائعة للبروتين والحديد والزنك والفيتامينات وعقولهم محرومة من الغذاء الذى يستحقونه. ويظل الفقراء أسيرى فقرهم، حيث أبناؤهم محرومون من فرصهم العادلة فى نمو أذهانهم ومقاومة جهازهم المناعى للأمراض وقدرتهم على الإنتاج والإبداع.
إلى أن ندرك أن الاستثمار فى التغذية هو استثمار اقتصادى وتنموى لا يقل فى أهميته عن بناء المجتمعات الجديدة والطرق والكبارى وأن حتى بناء المصانع والمدارس لن يأتى بنتائج اقتصادية وتنموية كافية إلا إذا بنينا الإنسان المصرى منذ كونه نطفة فى رحم أمه فلن نرى مصر كما نحلم وكما تستحق أن تكون.

هنا أبوالغار أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة
التعليقات