فى لحظة إقليمية معقدة ومشحونة بالأزمات، يجد الأوروبيون أنفسهم أمام اختبار حقيقى لقدرتهم على التأثير فى مسار الصراع الفلسطينى ــ الإسرائيلى، وخصوصًا بعد صدور قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ الذى فتح نافذة سياسية لإنهاء الحرب فى غزة والبدء فى حوار دولى أوسع حول مستقبل الإقليم. ورغم التباينات الواضحة بين الدول الأوروبية من حيث تقييمها للمشهد الإقليمى ومقارباتها للعلاقة مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ورغم محدودية الموارد المالية المتاحة مقارنة بالولايات المتحدة أو الفاعلين الإقليميين الكبار، إلا أن الاتحاد الأوروبى يملك أدوات فعّالة ونقاط قوة يمكن، إذا ما أُحسن استخدامها، أن تجعل الأوروبيين فاعلًا رئيسيًا فى الدفع نحو وقف إطلاق النار، وفى إنجاح تطبيق القرار، وفى استئناف مسار سياسى يعيد حل الدولتين إلى الواجهة بعد سنوات من التراجع.
تكمن بداية الدور الأوروبى فى إدراك الواقع الجديد الذى أفرزته الحرب. فحرب غزة أحدثت صدمة كبيرة فى الرأى العام العالمى، وكشفت هشاشة البنية الأمنية فى الشرق الأوسط، وأبرزت التكلفة الإنسانية والسياسية لاستمرار النهج القائم على إدارة الصراع بدلًا من حله. وعلى الرغم من الانتقادات التى وُجِّهت للأوروبيين بسبب ترددهم أو ضعف تأثيرهم، إلا أن اللحظة الحالية تمنحهم فرصة لإعادة تموضعهم كقوة دبلوماسية قادرة على المبادرة بدلًا من رد الفعل. ذلك أن الحرب لم تترك مجالًا للحياد أو الصمت، كما دفعت المجتمعات الأوروبية والحكومات إلى طرح أسئلة جوهرية حول علاقتها مع إسرائيل، ودورها فى حماية المدنيين، والتزاماتها تجاه القانون الدولى، وهو ما أدى إلى نقاشات داخلية يمكن أن تتحول إلى سياسة أكثر اتساقًا ووضوحًا.
صحيح أن الأوروبيين ليسوا كتلة سياسية واحدة، وأن مواقفهم تجاه الحرب والعملية السياسية تختلف بدرجات كبيرة. فهناك دول مثل فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وأيرلندا تميل إلى مواقف أكثر وضوحًا فى دعم الحقوق الفلسطينية والضغط على إسرائيل. وفى المقابل، تتبنى ألمانيا والتشيك والنمسا مقاربة أقرب إلى الرواية الإسرائيلية وتركّز على ضمان أمن إسرائيل أولًا. أما دول شمال أوروبا، مثل السويد والدنمارك وفنلندا، فتتبنى منهجًا براجماتيًا يسعى إلى التوازن بين المطالب الفلسطينية والضرورات الأمنية الإسرائيلية. إلا أن هذا التباين، على شدّته، لا يلغى وجود حدّ أدنى من التوافق الأوروبى على مبادئ عامة تتمثل فى ضرورة وقف إطلاق النار، ومنع توسع المواجهة إلى الإقليم، وإطلاق مسار سياسى جاد، وحماية المدنيين، ودعم السلطة الفلسطينية، والحفاظ على الاستقرار فى الضفة الغربية وقطاع غزة.
• • •
من هذا الحد الأدنى للتوافق، يمكن للأوروبيين أن يتحركوا فى مسارات متوازية تشمل سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. وفى المسار السياسى والدبلوماسى، يملك الأوروبيون القدرة على لعب دور أكثر بروزًا مما فعلوه فى مراحل سابقة. فهم يمتلكون نفوذًا معتبرًا داخل الأمم المتحدة وفى مجلس الأمن، وقادرون على تشكيل كتلة ضغط دبلوماسية بالتنسيق مع دول عربية رئيسية مثل مصر والأردن وقطر والسعودية، وهى دول تشترك معهم فى ضرورة إعادة الاعتبار للتسوية السياسية. ويمكن للأوروبيين أيضًا أن يكونوا الطرف الأكثر قدرة على التواصل المتوازن مع مختلف الفاعلين الفلسطينيين، وليس فقط السلطة الفلسطينية، ضمن إطار يحترم القانون الدولى ويرفض العنف، لكنه لا يستبعد أى طرف قبل بدء مسار سياسى شامل.
كما أن الأوروبيين، على خلاف الولايات المتحدة، قادرون على التحاور مع إسرائيل بقدر من الصراحة والمساءلة دون أن يؤدى ذلك إلى قطيعة سياسية كاملة. فالاتحاد الأوروبى هو الشريك التجارى الأول لإسرائيل، ويملك قدرة على استخدام حزمة متدرجة من الضغوط والحوافز. الضغوط تشمل آليات المساءلة القانونية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان فى غزة والضفة الغربية، وإعادة تقييم اتفاقية الشراكة الأوروبية ــ الإسرائيلية إذا استمرت الحكومة الإسرائيلية فى تجاهل قرار مجلس الأمن. وتشمل أيضًا إمكانية فرض قيود على التعامل مع المستوطنين أو الكيانات التى ترتكب انتهاكات ممنهجة، وهو أمر بدأت بعض الدول الأوروبية بالفعل فى تطبيقه، لكنه يحتاج إلى تحويله إلى سياسة جماعية.
أما الحوافز فهى تشمل استعداد الأوروبيين للقيام بدور قيادى فى إعادة إعمار غزة وربط جهود الإعمار بعملية سياسية واضحة. فإذا أدركت إسرائيل أن دعم أوروبا الاقتصادى والمالى مرتبط بالتزام فعلى بوقف إطلاق النار وبإجراءات تمنع التهجير وتوقف الاستيطان، فإن ذلك قد يمنح الأوروبيين قدرة تفاوضية ملموسة. وبالمثل، يمنح الأوروبيون السلطة الفلسطينية حزمة دعم مؤسسى وإدارى تساعدها على استعادة حضورها فى غزة بعد وقف إطلاق النار، وتعزز قدرتها على القيام بإصلاحات داخلية طال انتظارها.
على المستوى الاقتصادى والإنسانى، يتمتع الأوروبيون بميزة نسبية لا ينافسهم فيها أى طرف آخر. فهم أكبر مانح للشعب الفلسطينى منذ أكثر من عقدين، ويمتلكون مؤسسات متخصصة قادرة على إدارة برامج معقدة تتعلق بالتنمية وبناء المؤسسات وإعادة الإعمار. ورغم محدودية الموارد مقارنة بالولايات المتحدة أو الصين، إلا أن ما يميز الجهد الأوروبى هو قدرته على التنظيم وعلى ربط الدعم الاقتصادى بإصلاحات وإجراءات تضمن عدم تكرار الأخطاء السابقة. ويمكن لأوروبا، مثلًا، أن تطلق برنامجًا واسعًا لإعادة إعمار غزة يستند إلى خطة متعددة السنوات تشمل إعادة بناء البنية التحتية، ودعم القطاع الصحى، وإعادة تأهيل المدارس، وتمكين القطاع الخاص، وربط الضفة الغربية وغزة اقتصاديًا، وهى عناصر تشكّل مجتمعة ركيزة أساسية لأى عملية سياسية مستقبلية.
كما يمكن للأوروبيين أن يضطلعوا بدور مهم فى ضمان عدم استغلال عملية إعادة الإعمار لأغراض سياسية ضيقة أو لفرض نفوذ أحادى من أى طرف. وتتطلب هذه المهمة وجود آليات شفافة للمراقبة والتنفيذ، وهى آليات يمتلك الأوروبيون خبرة طويلة فيها من خلال مشاركتهم فى إعادة إعمار البلقان والعراق ولبنان وأماكن أخرى شهدت نزاعات. وعلى المدى المتوسط، يمكن لأوروبا دعم مشاريع اقتصادية استراتيجية تشمل الطاقة المتجددة وتحلية المياه وتطوير شبكات الكهرباء، وهى مشاريع يمكن أن تصبح ركيزة لاستقرار اقتصادى يخفف من أسباب التوتر.
فيما يتعلق بالمسار الأمنى والإدارى، يدرك الأوروبيون أن أى وقف لإطلاق النار لن يصمد ما لم يُرفَق بترتيبات أمنية واضحة تمنع تجدد الحرب. ورغم أن الأوروبيين ليسوا مستعدين أو قادرين على نشر قوات قتالية كبيرة على الأرض، إلا أنهم قادرون على قيادة بعثات رقابية أو آليات دولية لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار، ويمكنهم تدريب قوات أمن فلسطينية محترفة تعمل تحت مظلة السلطة الفلسطينية. وقد يمتد الدور الأوروبى ليشمل تقديم دعم إدارى وتقنى لإعادة بناء مؤسسات الحكم المحلى فى غزة، بحيث تكون قادرة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين فى مرحلة ما بعد الحرب. وهذا الدور، إذا أُنجز بطريقة فعالة، يمكن أن يخفف من المخاوف الإسرائيلية من الفراغ الأمنى، وفى الوقت نفسه يمنع أى حلول مفروضة تقود إلى وضع شبيه بما حدث بعد ٢٠٠٧.
• • •
وإلى جانب ذلك، يستطيع الأوروبيون ممارسة ضغوط جدية لوقف عنف المستوطنين فى الضفة الغربية، وهو عنصر حاسم لنجاح أى مسار سياسى. ويمكن للاتحاد الأوروبى استخدام أدوات عملية مثل حظر دخول المستوطنين العنيفين إلى أراضيه أو تجميد أصول الكيانات المشاركة فى العنف، وهو ما سيبعث برسالة واضحة بأن الاستيطان والعنف المرتبط به لن يكونا بلا تكلفة.
فى النهاية، لن ينجح أى دور أوروبى ما لم يصحبه تصور واضح للهدف النهائى، وهو إعادة طرح حل الدولتين بطريقة واقعية قابلة للتفاوض. الأوروبيون قادرون على صياغة مبادئ لهذا الحل تشمل وقف الاستيطان، الاعتراف المتبادل، ترتيبات أمنية مشتركة، دولة فلسطينية قابلة للحياة، والقدس عاصمة للدولتين. ويمكنهم أيضًا استخدام ثقلهم الاقتصادى والدبلوماسى لإقناع الولايات المتحدة بأن تجاهل الحل السياسى بات خيارًا مكلفًا يهدد الاستقرار الإقليمى والدولى.
إن قوة الدور الأوروبى لا تأتى من امتلاك أدوات عسكرية ضخمة، بل من قدرتهم على الجمع بين الشرعية القانونية الدولية، والموارد المالية المنظمة، والعلاقات الدبلوماسية المتوازنة، والتأثير المؤسسى الطويل المدى. وإذا استطاعت الدول الأوروبية أن تتجاوز اختلافاتها وتبنى رؤية متماسكة، فإن بإمكانها أن تصبح، مع الدول العربية المؤثرة، القوة الدافعة وراء ترجمة قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ إلى واقع ملموس، وأن تساهم فى وقف إطلاق النار فى غزة، ومنع تمدد الصراع، وإطلاق مسار سياسى جديد يعيد حل الدولتين إلى واجهة الحدث بعد سنوات من التراجع والإهمال.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى