على طريقة الإرهاب والكباب - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 20 يونيو 2021 6:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

على طريقة الإرهاب والكباب

نشر فى : الخميس 29 أبريل 2021 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 29 أبريل 2021 - 9:55 م

أحب جدًا فيلم الإرهاب والكباب للعبقري الراحل وحيد حامد. أجد أنه عبارة عن ضفيرة محكمة تجمع ما بين بساطة الفكرة وعمق الدلالة، وأن كل مشهد فيه له هدف محدد يصلك بطريقة لطيفة ودون افتعال أو فزلكة. ولعل من ألطف مشاهد هذا الفيلم، هذا المشهد الذي يصّور حال الكثير من الموظفات في الإدارات الحكومية المصرية، وذلك عندما دخل عادل إمام إلى أحد المكاتب في مجمع التحرير فوجد إنعام سالوسة وهي تتكلم في التليفون وتفصص البسلة فيدخل معها في حوار كوميدي عن سعر كيلو البسلة وطريقة طبخ البسلة بالجزر، وهذا كله يحدث أثناء العمل بل وفي ساعة ذروة، فلا تعرض إنعام سالوسة تقديم أي نوع من المساعدة لعادل إمام في تحقيق طلبه بل هي تبادر فورًا بإحالته لموظف آخر (الأستاذ رشاد) حتى تتفرغ لما هو أهم: البسلة والمكالمة في آن واحد. شيء قريب من هذا المشهد أوصلتنا إليه كورونا، هذه اللعنة التي تؤلمنا وتُفقدنا أحبتنا وتربكنا وتخيفنا وتحرمنا من نِعم كثيرة كثيرة، لكنها أيضًا قد تضحكنا بمفارقاتها العجيبة، تضحكنا حتى كدت أختار لهذا المقال عنوانًا هو "اضحك مع كورونا"، لكن غصة في الحلق منعتني.

***

سمحَت لنا كورونا بأن نجتمع افتراضيًا بناس أكابر ونحن جالسون داخل بيوتنا، وبأن نجري لقاءات في منتهى الجدية عبر تطبيقات زووم وأخواتها ونحن نرتدي ثياب الخروج في النصف الأعلى ونرتدي ثياب النوم في النصف الأسفل، فالمهم فقط هو ما يظهر للناس على الشاشة. أعطتنا محنة كورونا حيزًا من التسامح مع أشياء لو حدثت من قبل لكانت لا تُغتَفر كأن نفتح باب الشقة أثناء إلقاء المحاضرة لأن أحدًا دق الجرس ولا يوجد أحد سوانا بالمنزل، أو كأن تصل إلى الطرف الآخر عبارات تمتمنا بها وما كان يجب أن يسمعها لكنه سمعها دون قصد لأننا نسينا أن نلغي الصوت فإذا بصوتنا يلعلع ونحن ننتقد هذا الآخر ونصفه بأنه ممل أو مغرور أو لا يفهم شيئًا على الإطلاق. تأقلمنا مع الوضع الجديد بعد أكثر من عام على بدايته، وتطورَت قدراتنا على تجاوز المواقف المحرجة ومطبات الهواء معتمدين في ذلك على تفَهُم شركائنا في الأون لاين، فلا نحن معصومون من الخطأ ولا هم أيضًا، والقاعدة تقول يوم لك ويوم عليك. ومن بين مشاهد كثيرة عودتنَا عليها كورونا مشهد يقترب من مشهد إنعام سالوسة مع عادل إمام في فيلم الإرهاب والكباب .

***

منذ دخَلَت الفتاة الصغيرة عامها العاشر وصار كل يوم يمر من عمرها يفرق، فهي تكبر وتقترب أكثر وأكثر من دخول هذا العالم المسحور الذي يُسمَي عالم الكبار. تمردَت على لبس الفساتين والچوبات وليس معروفًا بالضبط من هو العبقري الذي أدْخَل في ذهن بنات جيلها أن البنطلون رمز للنضج وأن البنات الصغيرات هن وحدهن اللائي ترتدين الفساتين.. رحم الله جيل الستينيات وفساتين جيل الستينيات التي كانت رمزًا للأنوثة والتأنق وقمة النضج، لكن على أي حال هذا هو ما آل إليه الوضع. هي أيضًا لم تعد تحب بالمرة أفلام الكرتون بل إنها صارت مهووسة بأفلام الرعب والجريمة حتي وإن طاردتها الكوابيس كل ليلة واحتملتها رغم أنفها لأن الكبار لا يخافون، أو هكذا هي تتوهم. ثم أنها بدأت تُعّد طعامها بنفسها لا بل هي أحيانًا كانت تعرض أن تعزم الأسرة على وجبة كاملة من صنع يديها أو تجرّب في الأسرة صنفًا جديدًا أخذَت وصفَته من على الإنترنت، لكن طبق يوم الاثنين الماضي كان تقليديًا جدًا: بسلة بالجزر .

***

في صباح هذا اليوم استيقظت فتاتُنا في السابعة، اغتسلت وارتدت چاكت المدرسة على بنطلون البيچامة وهي تبرطم كما تفعل في أيام المدرسة الأونلاين التي لم تقتنع أبدًا أنها مدرسة. فمع أن النزول المبكر خصوصًا في أيام الشتاء القارس للتوجه للمدرسة لم يكن يطيب لها، إلا أن هذا هو الوضع الطبيعي الذي تفهمه حيث الفصل فصل والميس ميس والسبورة سبورة، أما هذا العالم الافتراضي فإنه يضحك عليها ويسخر منها ومن زملائها عندما يصّور لهم أنهم في يوم مدرسي عادي، وفي المقابل هم أيضًا يضحكون على هذا العالم الافتراضي ويسخرون منه. كيف يفعلون ذلك؟ يفعلونه بارتداء نصف زي المدرسة والأداء بنصف تركيز والإنصات بنصف تفرغ، وهذا إذن فيما يبدو عقد اجتماعي جديد بين المدرسة والتلاميذ. عند الساعة الحادية عشرة صباحًا حلّ موعد الراحة بين الحصص، تذكرَت الفتاة أن وجبة الإفطار الرمضانية اليوم هي بسلة بالجزر وأنها المسؤولة عن تجهيزها فتحركت بسرعة. فتحَت الثلاجة وأخرجت حمل بعير من البسلة الخضراء، وكانت أمها قد هيأتها لأنها ستضطر للتخلص من معظم هذه الكمية لأن الأوان ليس أوان البسلة والقليل منها فقط هو ما يصلح للطهي، وأوشكَت الصغيرة أن تسألها ولماذا إذن الإصرار على أكل الخضار في غير أوانه، لكنها قررَت ألا تفعل لأن هذا أحد الأسرار الأبدية للأسرة المصرية .

***

عادت لتجلس إلى المكتب وقد وضعَت إناء البسلة على حِجرها وإلى جانبها سلة مهملات صغيرة ترمي بها القشر وتحسن التسديد. دخلت الميس حصة الرياضيات والصغيرة مولعة بالأرقام والعمليات الحسابية المركبة، رأت زملاءها ناولة وميريام ونور وآدم وكل الآخرين وغمَز لها مراد فابتسمَت، وعندما كتبَت الميس مسألة حسابية على السبورة وطلبت من التلاميذ حلها، نفضَت الصغيرة يدها اليمين من البسلة بسرعة البرق ورفعَتها بما يعني أنها جاهزة للإجابة. أعطتها الميس فرصتها وأجابت بالفعل وكانت إجابتها صحيحة، سَرَي في داخلها شعور مزدوج بالفخر بنفسها، فهي بيد تحل الحساب وباليد الأخرى تفصص البسلة، ولو كانت أكبر قليلًا لعلِمت أنها تربط بسلاسة مدهشة بين الدور الخاص والدور العام للمرأة بلغة المتخصصين في دراسات الچندر، لكنها لم تربط. استمر اليوم الدراسي على هذا النحو حتى انتهت الفتاة من تفصيص البسلة بنجاح واستراحت، فلم يكن ينقص المشهد الطريف إلا ظهور الأستاذ رشاد ليتم اجترار أحداث فيلم عادل إمام لكن من دون إرهاب ولا حتى كباب .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات