سوريا.. الحلم والكابوس والعودة المرتقبة - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 11:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


سوريا.. الحلم والكابوس والعودة المرتقبة

نشر فى : الأربعاء 29 سبتمبر 2021 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 سبتمبر 2021 - 9:15 م

كأن الوحدة المصرية السورية فصمت قبل سنة أو اثنتين، لا من ستين سنة كاملة.
التجربة مازالت ماثلة فى الذاكرة العامة بأحلامها وانكساراتها رغم أن الأغلبية الساحقة من شهود الحدث التاريخى غادروا الحياة.
كانت التجربة ملهمة لمجايليها ولمن أتوا بعدهم أن بناء دولة عربية قوية ومنيعة ممكن، وأن مراجعة الأخطاء والخطايا التى أفضت إلى فصم عراها بالدرس والتعلم واجب.
من مفارقات التواريخ أن «جمال عبدالناصر» رحل فى (٢٨) سبتمبر (١٩٧٠)، وهو نفس يوم الانفصال قبل تسع سنوات (1961).
عند إعلان الوحدة المصرية السورية فى فبراير (1958) تدفقت المشاعر كطوفان والأحلام لامست السماء فى بناء دولة قوية وموحدة «تصون ولا تهدد تحمى ولا تبدد تصادق من يصادقها وتعادى من يعاديها».
بين حلم الوحدة وكابوس الانكسار قصة طويلة وأليمة أهدرت فيها كل القضايا، وارتكبت كل الخطايا واستبيحت كل المحرمات.
يقال عادة: «لا حرب بلا مصر ولا سلام بلا سوريا».
وقد ثبتت صحته فى مسار وتعرجات الصراع العربى ــ الإسرائيلى.
بحقائق الجغرافيا السياسية إذا ما سقطت سوريا تتقوض مصر ويخسر العالم العربى كله أية مناعة تحول دون تفكيك دوله والتلاعب بمصائره.
هذه واحدة من بديهيات نظرية الأمن القومى.
بعد حرب السويس (١٩٥٦) وفشل إخضاع مصر وضعت خطة «استراجل» التى تقضى بأن إسقاط سوريا يفضى مباشرة إلى عزل مصر وبعثرة العالم العربى.
بحكم موقعها الجغرافى لم يكن ممكنا لسوريا أن تنغلق على نفسها تحت أى ادعاء، أو أن يكون لها مستقبل خارج عالمها العربى بأية ذريعة.
لم تكن مصادفة أن سوريا ــ بالذات ــ هى البلد التى احتضنت الفكرة العروبية فى مواجهة «التتريك» ونشأت فيها ــ قبل غيرها ــ الحركات ذات التوجه القومى العربى.
كما لم تكن بلاغة تعبير أن توصف بـ«قلب العروبة النابض».
بحكم موضعها فى المشرق العربى فهى عاصمته الطبيعية.
وبحكم اتصال الأمن القومى المصرى بها فهى توءمته.
وبحكم حدودها مع الدولة العبرية فهى طرف فى صراع وجودى.
وبحكم امتداد ساحلها على البحر المتوسط فهى مركز استراتيجى.
وبحكم اتصالها بشبه الجزيرة العربية، حيث موارد النفط فهى تحت بصر المصالح الغربية.
أكدت الحقائق نفسها، لا عالم عربى بلا مصر، التى تمثل ثلث كتلته السكانية، ولا نهضة عربية بلا سوريا ــ مهما حسنت النوايا والتوجهات.
«انتصرت إرادة العرب.. لا فراغ فى الشرق الأوسط، ولا مناطق نفوذ».
هكذا تحدث «عبدالناصر» فى لحظة الصعود.
السياق التاريخى ضرورى لفهم ما جرى من تدافع للحوادث وصلت ذروتها بإعلان الوحدة المصرية السورية.
كان يخوض حربا مفتوحة ضد سياسات ملء الفراغ والأحلاف العسكرية بعد تقويض مكانة إمبراطوريتين سابقتين هما البريطانية والفرنسية بأثر النتائج السياسية لحرب السويس.
وكان العصر الأمريكى قد بدأ يطل على العالم العربى فى ظروف حرب باردة أعقبت الحرب العالمية الثانية.
كانت الوحدة المصرية ــ السورية خطوة متقدمة أكدت قدرة العالم العربى على ملء الفراغ بنفسه دون حاجة إلى أحلاف تخضع لحسابات استراتيجية ضد مصالحه ومستقبله.
كما كانت تطويرا لنتائج حرب السويس، التى ألهمت حركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث ــ كأن فوران غضب على الإرث الاستعمارى اندلع فيه.
المعانى أهم من الرجال، والقضايا الكبرى تلهم الناس العاديين أنهم يمكن أن يصنعوا تاريخهم بأنفسهم، وأن يوقفوا أى امتداد جديد لقرون من الإذلال والتهميش.
عندما تشاهد على شرائط مسجلة مئات آلاف البشر تتدافع لرؤية «عبدالناصر» والاستماع إليه عندما وصل لأول مرة فى حياته إلى دمشق فلا بد أن تنصت لصوت التاريخ، وتدرك بالعمق أنها كانت تهتف للمعنى قبل الشخص، وأن هذه لم تكن «انفعالات عواطف» بل حقائق تاريخ.
فى مثل هذا اليوم قبل ستين سنة جرى فصم الوحدة المصرية ــ السورية بانقلاب عسكرى رعته الاستخبارات الأمريكية، ومولته المملكة العربية السعودية، وشاركت فيه الأردن، وآزرته تركيا، وهللت له إسرائيل.
سأل «عبدالناصر» الملك «سعود بن عبدالعزيز»، بعد أن جاء للقاهرة لاجئا سياسيا عقب إطاحته: «هل صحيح أنك دفعت ٧ ملايين جنيه إسترلينى حتى يتم الانفصال؟».
أجابه: «طال عمرك.. ١٢ مليون جنيه إسترلينى».
رغم الخطط والمؤامرات على الوحدة المصرية ــ السورية، وكلها ثابتة فى وثائق وشهادات واعترافات، إلا أنها سقطت من داخلها قبل أى فعل خارجى، وتسببت أخطاء جوهرية بصميم التجربة على تسهيل الانقلاب.
على مدى عقود طويلة نشرت آلاف الدراسات عن الوحدة وأسباب الانفصال.
باليقين فإن «عبدالناصر» يتحمل جانبا من المسئولية، لم يكن «عبدالحكيم عامر» مؤهلا لإدارة دولة الوحدة من دمشق والانقلاب حدث من داخل مكتبه.
كما أن عدم تغييره بعد الانفصال كان خطأ جسيما أفضى ــ ضمن أسباب أخرى ــ إلى الهزيمة العسكرية فى يونيو بالحجم الذى حدثت به.
رغم ذلك تتبدى الوحدة فى الذاكرة العامة كحلم يستعصى على محاولات الإجهاز عليه.
أجهزوا على تجربة «عبدالناصر» واصطادوها من ثغراتها، لكن للأحلام مناعة أكبر وعمرا أطول.
قالوا إن الوحدة «وهم ناصرى»، وأن مصر فرعونية، أو شرق أوسطية، أو أى شىء آخر غير أن تكون عربية، لكن الحقائق تغلب باستمرار.
فـ«مصر» ــ بالثقافة والهوية والجغرافيا والتاريخ ــ مشدودة إلى محيطها العربى، المصائر مشتركة، والقضايا واحدة وعندما تنكرت مصر لأدوارها جرى ما جرى لها من تهميش وتراجع فى المكانة.
يستلفت الانتباه فى أداء «عبدالناصر» لحظة الانفصال مدى إدراكه للحقائق فى سوريا وخشيته على مستقبلها.
بعد الانفصال بأسبوع قال فى خطاب بثته الإذاعة المصرية، كأنه يقرأ طالع أيام لم تأتِ بعد: «إن الوحدة الوطنية فى الوطن السورى تحتل المكانة الأولى.. إن قوة سوريا قوة للأمة العربية وعزة سوريا عزة للمستقبل العربى والوحدة الوطنية فى سوريا دعامة للوحدة العربية وأسبابها الحقيقية».
«لست أريد أن أقيم حصارا سياسيا أو دبلوماسيا من حول سوريا، فإن الشعب السورى فى النهاية سوف يكون هو الذى يعانى من هذا الحصار القاسى».
وكان مما قال فى ظروف الانفصال: «ليس مهما أن تبقى الوحدة، المهم أن تبقى سوريا».
أوقف التدخل العسكرى المصرى بعد أن أرسلت قوات إلى اللاذقية خشية إراقة الدماء.
وكان ذلك إجراء سليما، رغم صعوبته، فلا وحدة تتأسس على إراقة دماء.
كان للانفصال عواقب استراتيجية أوصلتنا إلى الكوابيس المقيمة.
تراجع زخم حركة التحرر الوطنى فى العالم العربى وقوة حضور المشروع القومى.
كان أسوأ ما جرى عند تفاقم الأزمة السورية تدويلها، وإحالتها من الجامعة العربية إلى مجلس الأمن، وتجميد السفارة السورية بالقاهرة على عهد الرئيس الأسبق «محمد مرسى» وإخلاء مقعدها فى الجامعة العربية.
كان ذلك داعيا إلى رفع درجة التدخلات الأجنبية، ووضع المصير السورى كدولة موحدة فى مهب النيران دون سعى حقيقى لإخمادها.
تلوح فى الأفق الآن عودة سورية محتملة إلى عالمها العربى باستعادة مقعدها فى الجامعة العربية.
هناك من يمانع، لكن العودة محتمة.
رغم ما تبدو عليه الجامعة العربية الآن من أوضاع انكشاف وضعف إلا أن الوجود السورى برمزيته وموقعه يساعد بصورة أو أخرى فى قطع الطريق أمام إسرائيل أن تتطلع لملء الفراغ الاستراتيجى فى منطقة الخليج بالذات إذا ما انسحبت القوات الأمريكية من العراق كما هو متوقع من ضمن استراتيجية معلنة للتمركز فى الشرق الأسيوى حيث الصراع على المستقبل مع الصين.
كان لقاء وزيرى خارجية مصر وسوريا فى نيويورك حدثا لافتا بتوقيته ورسائله أن عودة سوريا أصبحت قريبة بأكثر من أى تصور.
الجديد ــ هذه المرة ــ انتقال التفاهمات من الكواليس إلى العلن، من ما هو أمنى إلى ما هو دبلوماسى.
بصورة أو أخرى فإن التحولات والانقلابات الإقليمية المحتملة إذا ما أعيد أحياء الاتفاق النووى الإيرانى مترافقا مع الانسحاب الأمريكى من العراق تدعو للإسراع فى عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وقد حان الوقت أن تقول مصر كلمتها.