مَـصِير - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 18 يناير 2020 2:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

مَـصِير

نشر فى : الجمعة 29 نوفمبر 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الجمعة 29 نوفمبر 2019 - 10:10 م

في أواخر التسعينيات عَرَضَ يوسف شاهين فيلمَه المَصير؛ مُستعيدًا تلك المعركةَ الفكريَّة الكُبرى التي قامت بين قُطبين مُتناقضين، وأحرقت بمقتضاها كتب أحدهما؛ الفيلسوف الأندلسيّ ابن رشد. مثلما أضاء الفيلم مصباحًا حول مصير ابن رشد؛ فقد أشار إلى ما ينتظر كُلَّ قادم جديد، يحمل في رأسه مفاتيحَ الحرية، وبين يديه مشعلٌ يُضيء الطريق.
***
ثمة محاولات مُتطورة وحديثة لاستنساخ المَصير؛ فالمَحرقة التي تعرَّضت لها كُتُبُ الفيلسوف بغية القضاء على مِيراثه الفكريِّ المُتفرِّد؛ يتعرَّض لها- مع حِفظ المراتب والألقاب واحترام المسافات- أصحابُ الفِكر في يومنا هذا؛ لكن الفعلَ الغاشم الذي طالَ الأوراقَ وأحالها في زمنٍ ولَّى إلى رماد، لم يعُد مُجديًا الآن؛ فثمَّة فضاءٌ إلكترونيٌّ رَحب، يحتَضِن النصوصَ ويحميها. المَحرقةُ الجديدةُ مَنصوبةٌ، لكنها تنالُ مِن الكاتب بشخصِه؛ جسدًا وعقلًا. مِن أصحاب القلم مَن يُزجُّ بهم بين جُدران صامِتة مُعتِمة، ومَن يُهدَّدون بالإيذاء الماديّ المُباشر، ومَن تُرَوَّع عائلاتُهم ويُتَّخذ أفرادُها رهائن. هناك أيضًا مَن يُمنع مِن النشر، ومَن ينشُر فتتعرَّض كتاباتُه لألوان مِن المُصادرة؛ وتلك أقلّ الأضرار التي باتت مُتوقَّعة. في بلدان كالصين وكوريا الشمالية؛ سُجناءُ فِكر ورأي، وفي روسيا مثلهم، وما أكثرهم مُعتقلين في ربوع البلدان العربية لا يُستثنى مِن أقطارها تقريبًا قُطر.
***
يُقالُ إن كُلَّ حَيِّ مَصيره الفناء، والحقُّ أن الفناءَ حَتمِيٌّ؛ لكن الأثرَ يبقى ويستَمِر. البعضُ يترك خلفَه سيرةً يذكُرها اللاحقون بفائضِ التبجيل، وبعضٌ آخر يترك الناسَ مِن بعده مُبتهجين؛ إذ شهدوا برحيله انزياح الغُمَّةِ واستفاقةَ الأُمَّة.
***
تعكس المَصائِر المُتشابهةُ في العادةِ بداياتٍ واحدة؛ لكن طُغاةً كُثر لا ينظرون الدَّرسَ، ولا يستفيدون مِن تجرِبة السابقين؛ يظنون أنهم الأذكى والأحوط والأدهى، ولا يكفيهم ما جمعت الأرضُ مِن صِيغ التفضيل. قد يحاولون تَجَنُّب أخطاءِ السَّلف في مَسيرتِهم، لكنهم يتناسون أن الهدفَ واحدٌ مُشترك؛ لا تغيّره التفصيلاتُ الصغيرةُ ولا يُبدله حذر. تسوقُهم المَطامع إلى المَصيرِ المَعلوم وكأنهم عميانٌ؛ لا يُبصِرون سوى أحذيتِهم الثقيلة.
***
المَصِيرُ في معاجم الُّلغةِ العربية هو مآلُ الأشياءِ ومُنتهاها؛ هو المَوضِع الذي تمضي باتجاهِه المِياه، وهو الأمعاءُ التي ينتقل إليها الطعامُ حيث تكتمل عملياتُ الامتصاصِ والهَضم. المَصير هو المَرجِع؛ فإذا قِيل صِرت إلى فلان، يكون المَعنى؛ رَجِعت إليه، ويُقال أيضًا صار الأمرُ إلى ما هو عليه، وصيَّرت أنا الأمرَ أي؛ جعلته في صورتِه المَنظورة.
***
"بِئسَ المَصير" تعبير شائع لأصوله الدينية؛ والمُراد به إشارة لسوءِ الفعيل وما سيقود إليه لا مَحالة مِن هلاك. في الذاكرة الشعبية ما يُترجم التعبيرَ المُختَصَر بتوصِيفٍ طَريف؛ فقد اعتاد الناس قولة: ”مَصيره أسوَد مِن قرنِ الخَرُّوب“، والخَرُّوب الذي به يُضرَب به المَثَل، نباتٌ فيه فوائد مُتعدّدَة وعظيمة، ولونه داكنُ السُمرة، والعادة جرت على اصطفاءِ الفواتح وازدراءِ السواد ووَصمِه بالمَصائِب.
***
للأُمَمِ بطبيعةِ الحال أن تُحدد مَصائرَها، وتصنع بأيديها مُستقبلها، وتقرر ما تفعل بحاضرِها، وما يعني لها ماضيها. تقرير المَصير حقٌّ للشُعوبِ كافة بلا استثناء؛ لا تخضع فيه لسُلطةٍ خارجية، ولا تتلقى بشأنه إملاءات، ولا تقبل أية تهديدات بغيةَ السيطرة على مُقدارتها والتَحكُّم في قيادها. الحالُ ليست دومًا على هذا المِنوال؛ فتدابير شتَّى تستلِبُ مِن الشُعوبِ حقُوقها، وتتلاعب بمصائرها، ويتواطأ على إهدار استقلاليتها حكامُها.
***
قدَّمت ماجدة الرومي في فيلم "عودة الابن الضال" أغنيةً مِن أجمَل أعمالها؛ آدي اللي كان، وآدي القدر وآدي المصير.. نودع الماضي.. وحلمه الكبير.. نودع الأفراح... نودع الأشباح.. راح إللي راح ومعدش فاضل كتير. إلى آخر الكلمات التي وضعها صلاح جاهين وصاغ لها اللحنَ كمال الطويل، وقد أخرج يوسف شاهين الفيلم عام ألف وتسعمائة وستة وسبعين؛ والمصير المقصود ها هنا، لا يتوقف عند الهزيمة المريرة التي تلقاها الناس عام سبعة وستين، بل يتخطاها مُتطلعًا إلى الآتي.
***
كثيرًا ما تتقاطع الكلمتان: "مَسير" و"مَصير"، الفرق بينهما حرف وحيد، وقد يغدو معناهما متقاربًا وقد يحدث بينهما تكامُل؛ فالمسير في طريق ما سيؤدي تلقائيًا إلى ملاقاة المصير. يقول المَثلُ الشعبِيّ: "مسير الحَيّ يتلاقى" أو ربما هي "مَصير" الحَيّ يتلاقى، والمعنى أن الناسَ في حركتِهم الدائمة يجدون بعضَهم لا مَحالة، والدنيا في الحِكمة المأثورة جَدٌّ صَغيرة، يكفُل صغرُها التقاءَ عابريها؛ مهما تباعدوا وتفرَّقت بهم السُبُل. لا مَهرَب لأحد مِن مَصيره في اتساع الأرض وتراميها.
***
يقول شوقي في قصيدته مصائر الأيام: حَياةٌ يُغامِرُ فيها امرُؤٌ.. تَسلَّحَ بالنابِ والمِخلَب.. وقد ذَهبَ المُمتلي صِحَّةً.. وصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَب. تلك مَصائرٌ تُخالفُ التوقعاتَ؛ فعِلِّة لم تُودِ بصاحبِها وتركته يحيا، وسليمٌ مَضى وترك الحياة، والعبرة بما أنجز كلٌ مِنهما في مسعاه؛ فثمَّة مَن عاش لحظاته حرًا كريمًا، ومَن عاش دهرًا مطأطئ الرأسِ ذليلا.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات