«بيت القبطية».. أسئلة العدل والتعصب - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 7:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

«بيت القبطية».. أسئلة العدل والتعصب

نشر فى : الخميس 31 أكتوبر 2019 - 8:10 م | آخر تحديث : الخميس 31 أكتوبر 2019 - 8:10 م

هذه رواية مهمة ومحكمة ومؤثرة، تطرح أسئلة العدل والتعصب، والجهل وغياب العقل، وتشرح بمهارة ثنائية الطاعة والمتاهة، لا يعلو الصوت ولا تفلت الفكرة، وإنما تفتح الحكاية باطن المجتمع بالعمق، من خلال شخصيات تحاكى طبيعة الإنسان الرمادية، وتنعكس عليها ظروف وتقاليد وأفكار راسخة لا تتغير.

«بيت القبطية» لأشرف العشماوى، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، لا تقنع فحسب بهذه الشهادة عن قرية تتجسد فيها كل العورات، ولكنها تقدم أيضا تناصا واعيا وذكيا مع رواية توفيق الحكيم «يوميات نائب فى الأرياف»، التى يذكرها الراوى وكيل النيابة نادر فايز، أكثر من مرة.

الأمر يتجاوز التحية والإشارة، ويتجاوز حتى استلهام فكرة العلاقة بين العدل والقانون، ومحاكمة الفلاحين على سرقة كوز ذرة فى رواية الحكيم، أو محاكمتهم على زراعة البصل فى رواية العشماوى، ويتجاوز أيضا استلهام مشاهد شهيرة فى رواية الحكيم كمشهد تشريح الجثة، وتمزيق الجسد إلى أجزاء مبعثرة، ولكن دافع التناص الأساسى فى رواية «بيت القبطية» هو أن الدائرة لم تكسر، وأن شيئا لم يتغير، من نائب الحكيم فى النصف الأول من القرن العشرين، إلى منتصف العقد الأول من القرن الـ21، أو سنوات مبارك الأخيرة، وهو زمن رواية العشماوى.

فكرة العدل يختبرها العشماوى فى منطقة شائكة تماما، فتنة طائفية تحرق قرية صعيدية اسمها الطايعة، وينطقونها «التايهة»، هى فى الحقيقة طايعة وتايهة، الأغلبية مسيحية، ولكن ملاك الأرض مسلمون، يتناوب السرد اثنان من طالبى العدل كل على طريقته: وكيل نيابة نزيه يذكرنا بنائب الحكيم، وسيلته تطبيق القانون، ورفض تدخل السياسة والسلطة وجبر الخاطر، عدالة يقظة غير معصوبة العينين، أما الصوت الثانى السارد فتمثله هدى يوسف حبيب، المدرسة البائسة الهاربة من قيود القهر والانتهاك والحال المائل، والباحثة عن حريتها فى قرية تغلى بالجهل والفتنة والتعصب، كيف يمكن أن تكون الحياة عادلة معها فى قرية تغيب فيها العدالة؟

صوتان يحملان البناء كله، وجهان لفكرة العدل على مستويين، ونسج ماهر للتفاصيل يعرى كل شىء تقريبا: اجتماعيا ودينيا وأمنيا وسياسيا، تتعقد الحبكة باختبار فكرة العدل فى مواجهة التعصب الدينى، وتتعقد أكثر باختلاط المال بالسلطة بالأرض بحالة المرأة فى مجتمعات مغلقة، ورغم كل هذا التعقيد، ينجح أشرف العشماوى، فى أن يسير بمهارة وسط الألغام: يزعج القارئ، ويواسى شخصياته، وخصوصا هدى البائسة، صاحبة البيت المبروك والملعون معا، أراها تجسد الحصاد المر لمنهج الطاعة، والمتاهة، والقهر، والتعصب، لم ينقذها قانون ولا مسجد ولا كنيسة، هى نموذج بقدر ما هى شخصية من لحم ودم، ولذلك ستورث المتاهة لمن أنجبت، الجميع يرتكبون الأخطاء، وهى فقط من تعاقب.

«بيت القبطية»، مثل رواية الحكيم الملهمة، هى أيضا رواية المجهول المعلوم، القضايا تقيد ضد مجهولين، ولكن الجميع يعرفونهم، ليسوا فقط مجرد أشخاص، ولكنها أفكار كارثية يمثلها رجل الأمن السياسى، أو إمام الجامع المتعصب، الذى تركوا له المنبر والميكروفون، ويمثلها العمدة (رجل السلطة) الذى يدير المعركة لحسابه، فى الروايتين كذلك غموض أسطورى مقصود، وخرافات متوارثة، وحكايات مسكوت عنها، التاريخ حاضر ومتكرر، والمأساة جزء من المكان، ما دام أن شيئا لم يتغير.

يبدو ميزان العدل مختلا فى كل الأحوال، وتبدو ثغرات القانون واسعة، وذمم البشر أكثر اتساعا، موسم قضائى واحد للنائب النبيل فى الطايعة التائهة لا يكفى لصنع العدل، ولا يكفى لإنصاف هدى من زمنها وناسها، العدل مفهوم أشمل من القانون المكتوب، ومن العدالة معصوبة العينين، العدل فى صميم فكرة علاقتنا بالآخر، وفى صميم فهمنا للأديان، وحتى لو فتحت القضايا التى قيدت ضد مجهول، وحتى لو استيقظ ضمير رجل أو اثنين، ستظل المشكلة فى العقول، وفى النار المستترة تحت بيوت القرية، التى أطلقت الدولة عليها اسم قرية «السلام»، وكأن شيئا لم يكن.

هذه الرواية المميزة تختزل كوارثنا فى قرية، ومأساتنا فى امرأة، وترسم خطا من الماضى إلى الحاضر، محذرة من تكرار جديد غالب مدمر فى المستقبل، تقدم الرواية التحية لكل الذين يصارعون النار، تمجد سعى نادر، ونضال هدى، وإنسانية كل من أنقذ مخلوقا من الموت، ولكن شهادة النائب فى الأرياف ستتكرر، طالما ظل المعلوم مجهولا، وطالما ظل الدين لعبة فى الأيدى، بدلا من أن يكون نورا فى القلوب.

التعليقات