حسام فاضل حشيش يكتب: محمود نور الدين.. ثورة مصر - منبر الشروق - بوابة الشروق
الجمعة 18 أكتوبر 2019 2:11 م القاهرة القاهرة 24°

حسام فاضل حشيش يكتب: محمود نور الدين.. ثورة مصر

نشر فى : الأحد 23 سبتمبر 2012 - 9:20 م | آخر تحديث : الأحد 23 سبتمبر 2012 - 9:20 م
حسام فاضل حشيش
حسام فاضل حشيش

كم مرة أحببت فيها شخصا دون أن تراه؟ كم مرة شدتك سيرته الشخصية لتستمع إليها فتمنيت أن ترى الشخص وتجلس إلى جواره، وفي رحابه تنصت، تتأمل ملامحه، تحلم بأن تلمس ردائه، وبرغم أن لا تحب الهتاف إلا أنك تحلم بأن تهتف باسمه ليل نهار، وأن تعرف من هم العظماء (الراحلون من أجلنا والباقين بلا فائدة مثلي) كما يقول الصديق عبداللطيف محمود في أحد نصوصه الشعرية.

 

منذ أيام قليلة مرت ذكرى رحيل المناضل "محمود نور الدين" ابن مصر وقائد ثورتها, لم يكن فقط مقاتلا بارعا ولا دبلوماسيا واعيا، وإنما كان وطنيا غارق حتى نفسه الأخير في حب هذا الوطن. حكم التاريخ على "نور الدين" بتهمة قتل الصهاينة.. فما أشرفها من تهمة يا محمود ولتكتب فيها مئات بل آلاف الصفحات يا تاريخ.

 

"محمود نور الدين" ضابط مصري التحق بالمخابرات العامة، وعندما نجح بتفوق رائع في المهام التي كلف بها قبل وأثناء حرب 1973 حاز على وسام الشجاعة، والتحق بعد ذلك بالسلك الدبلوماسي وبلغت مدة عمله بالمخابرات العامة ووزارة الخارجية حوالي عشرون عاماً، ثم قدم استقالته من جهاز المخابرات اعتراضا على اتفاقية السلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وانفجر غاضبا بعد زيارة الرئيس السادات لإسرائيل، وانصبت جهود "نور الدين" بعد ذلك على تأسيس مجلة في لندن مناهضة لسياسات "السادات" حملت اسم "23 يوليو" بالاشتراك مع الكاتبين محمود السعدني وفهمي حسين وفنان الكاريكاتير صلاح الليثي وعاصم حنفي وآخرين، ولكن المجلة سرعان ما توقف إصدارها لأسباب مادية.

 

وفي عام 1983 عاد إلى مصر بعدما تكونت لديه قناعة كبرى بأن العمل المسلح ضد الصهاينة، وخاصة الجواسيس منهم، هو أفضل السبل لتطهير الأرض من سرطان وعبث رجال الموساد الإسرائيلي، والتأكيد بحزم على رفض "نور الدين" وزملائه اغتيال أي مواطن مصري أيا كان فكره ورؤيته وموقفه السياسي.

 

تجمع "نور الدين" وزملائه من المدنيين والعسكريين تحت مسمى تنظيم "ثورة مصر"، والذي تبنى فكرة تصفية عناصر المخابرات الإسرائيلية والجواسيس الذين يعملون تحت غطاء السلك الدبلوماسي، وبدأت أولى عمليات "ثورة مصر" عام 1985 باغتيال "زيفي كيدار" مسئول الأمن في السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، وفي نفس العام وجهت "ثورة مصر" ضربتها الثانية للموساد الإسرائيلي حيث قام أعضاؤها باغتيال "ألبرت اتراكشي" المسئول السابق للموساد في انجلترا، والذي كان يعمل بالسفارة الإسرائيلية في مصر، والذي وصفه "محمود نور الدين" في حوار صحفي فيما بعد بأنه كان "يتلذذ بفقء أعين الأسرى المصريين".

 

واعتراضا على مشاركة دولة الكيان الصهيونى في معرض القاهرة التجاري الدولى 1986 قامت "ثورة مصر" بهجوم مسلح على سيارة إسرائيلية تضم المشاركين في جناح إسرائيل بالمعرض، ثم قرر "نور الدين" استهداف رجال المخابرات الأمريكية في القاهرة، والذين يعملون بأنشطة تجسسية لصالح إسرائيل، وكان "محمود نور الدين" يردد دائما أن "صدور الصهاينة أولى بكل رصاصة" .

 

كل هذه العمليات جعلت تنظيم "ثورة مصر" ملاحقا بشراسة من الأمن المصري والموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية (سي.أي.إيه). كان التنظيم يتمتع بالسرية المطلقة ودون أن يتمكن أحد من اكتشافه حتى جاءت الخيانة من أقرب الناس إليه من شقيقه "عصام نور الدين" الذي طلب من السفارة الأمريكية الحصول على الجنسية الأمريكية ونصف مليون دولار في مقابل الإبلاغ الكامل عن أعضاء التنظيم وتفاصيله، وتم القبض على "محمود نور الدين" وأعضاء التنظيم عام 1987.

 

تمت محاكمة "نور الدين" ومعه عشرة من الأبطال ومن بينهم "خالد جمال عبد الناصر" ابن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، الذي اتهم بتمويل التنظيم وإمداده بالأسلحة، ولكن تم تبرئته وأربعة من المتهمين، وتم الحكم على "محمود نور الدين" بالسجن لمدة 25 عام، وفي ليمان طره ظل "نور الدين" يؤدي دوره القومي والوطني، فقد اتفق مع ورشة السجن لتصنيع عدد 100 مجسم للقدس وتم إهدائها لرموز العمل الوطني في مصر كوصية منه لهم ولنا جميعا، وهي العمل على تقييم رمز «القدس» ليتصدر الصحف والمجلات المصرية والعربية والإسلامية والعالمية إلى أن يعود ويتحرر من أيدى الصهاينة "سلام القدس عليكم".  قضى "محمود نور الدين" في السجن 11 عام حتى لقى ربه في 16 سبتمبر 1998، وتم تنظيم جنازة شعبية حاشدة للبطل الراحل تم فيها حرق العلمين الصهيونى والأمريكى.

 

شعرت بالفخر وأنا أشارك زملائي في منتدى الثلاثاء الثقافي بالحزب العربي الناصري بالمنصورة عام 1999 ندوة وحفل تأبين للبطل الشهيد "محمود نور الدين" حضره محاميه الأستاذ خالد طلعت، وابنة الراحل محمود نور الدين، والمناضل حمدين صباحي، وعشرات الأسماء اللامعة وقتها، وكنت مازلت أتعرف على سيرة البطل.

في ذكرى رحيله رحل الجسد وبقيت الفكرة ولازالت الروح الطاهرة لـ"نور الدين" معطرة بالنضال والشجاعة والوطنية كما بقيت ذكرى "سليمان خاطر" وكل من عشق تراب هذا الوطن.

 

شارك بتعليقك