إذا فعل الذكاء الاصطناعى كل شىء فماذا يبقى لنا؟
هل الحكمة بعيدة المنال عن التكنولوجيا؟
هل الذكاء هو الوسيلة الوحيدة لحل المشكلات؟
العصر الذى نعيش فيه هو عصر التكنولوجيا المتقدمة بلا منازع، عصر الاتصالات المتقدمة والرقمنة والذكاء الاصطناعى، أغلب الأحاديث والمقالات والكتب التى تتحدث فى هذا الموضوع تركز على التكنولوجيا وتنسى الحديث عن الإنسان الذى من أجله تم اختراع تلك التكنولوجيات، أو هكذا نأمل.
مقالنا اليوم يتحدث عن الإنسان والتكنولوجيا، ليس من باب استخدام الإنسان للتكنولوجيا، أو تأثير التكنولوجيا على الإنسان، لكن من ناحية التكنولوجيا كعامل كاشف يرينا كيف نفكر ونتخذ القرارات ونتفاعل مع الآخرين، أو كيف تساعدنا التكنولوجيا لمعرفة أنفسنا؟

•••
ماذا بقى للإنسان ليفعله؟
كان قد استقر فى عقول البشر أن كتابة الشعر والرواية والقصة والتأليف الموسيقى والرسم.. إلخ هى منتجات بشرية وإبداعات إنسانية، لكن الآن مع وجود برمجيات الذكاء الاصطناعى التى تقوم بتلك الأشياء أصبح السؤال: ماذا بقى لنا لنفعله؟ الإبداعات البشرية تختلف عن تلك المولدة من البرمجيات فى إن الإنسان يضع خبرته ونظرته فى إبداعاته، أما البرمجيات «فتتعلم» مما هو موجود ثم تعيد إنتاجه، هذا يجعل فائدة الأعمال المتولدة من البرمجيات أشبه بمعرض للإبداع البشرى، عندما نقرأ رواية أو قصة من إنتاج برمجيات الذكاء الاصطناعى فإننا فى الحقيقة نقرأ أعمالا من إنتاج الإنسان أيضا لكن فى صورة مختلفة، فمخرجات الذكاء الاصطناعى هى مرآة لإبداع البشر.
ما يفعله الذكاء الاصطناعى وأية تكنولوجيا أخرى هو أن يُرينا ما أنتجناه فى الماضى عن طريق إظهاره لنا فى صورة إجابة عن أسئلتنا كما نفعل مع برمجيات المحادثة مثل (ChatGPT)، لكن هناك فائدة أخرى لتلك التكنولوجيا: أنها تدفعنا للتفكير فيما نستطيع عمله ولا تستطيع التكنولوجيا مجاراتنا فيه، أى تدفعنا للنظر داخل أنفسنا لنرى قدرتنا الحقيقية، إذا كنت تفعل شيئا ثم وجدت تكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعى يفعله أفضل منك فعليك بالبحث أكثر فى نفسك لاكتشاف قدراتك الحقيقية.
إحدى أهم القدرات التى نمتلكها ونظن أنه لا يوجد من ينافسنا كبشر فيها هى الذكاء والقدرة على حل المشكلات، لكن جاء الذكاء الاصطناعى ليهز ثقتنا فى أنفسنا، فهل فعلا نحن نفقد ريادتنا كأذكى الكائنات على وجه الأرض؟
•••

فن التفكير فى عصر الذكاء الاصطناعى
عندما نتحدث عن الذكاء يجب أن نضع نصب أعيننا عدة أشياء:
الذكاء ليس نوعا واحدا، بل عدة أنواع، عالم النفس التطورى هوارد جاردنر يقول لنا إن هناك عدة أوجه للذكاء يمتلكها البشر:
• التفكير المنطقى والتعامل مع المعادلات الرياضية، وهذا مجال يتقنه الذكاء الاصطناعى، ونحن نرى كيف يتغير عالم الرياضيات وعلماؤه نتيجة الذكاء الاصطناعى.
• الذكاء اللغوى ويشتمل على تعلم اللغات واستخدامها الاستخدام الأمثل لتحقيق أغراضنا، وهنا أيضا يصل الذكاء الاصطناعى إلى مستوى عال من الإتقان.
• الذكاء البصرى والمكانى وهو المسئول عن التعامل مع الاتجاهات والأشكال إلخ، والذكاء الاصطناعى جيد فى هذا المضمار كما نرى فى برمجيات التعامل مع الصور وبرمجيات إعطاء إرشادات الطريق (GPS).
• الذكاء الموسيقى والإيقاعى وهو يشتمل على التعامل مع النغمات والتأليف الموسيقى وتحليل الألحان وما شابه، هنا وإن كان الذكاء الاصطناعى يمكنه عمل بعض هذه المهارات إلا أن الإنسان مازال متفوقا فيها.
• الذكاء الحركى الجسدى ويتعلق باستخدام الجسد لحل المشكلات مثلما نجد فى النجار والسباك والكهربائى وبعض المهارات الفنية، وهنا ما زال الذكاء الاصطناعى يعانى فى هذه المهارات، قد يقول البعض إننا نرى أجهزة الروبوت منتشرة فى الكثير من المصانع وما شابه، هذا صحيح، لكن العمل فى المصانع أسهل من القيام بعمليات تحتاج سلاسة فى الحركة مثل التقاط كرة أو ألعاب رياضية مثل التنس.
• الذكاء الاجتماعى وهو المتعلق بالتعامل مع الناس ومشاعرهم وتطلعاتهم، وهذا يحتاجه القادة والساسة، بل والأسرة فى البيت والزملاء فى العمل والأصدقاء فيما بينهم،، هذه مهارات خارج نطاق الذكاء الاصطناعى.
• الوعى بالنفس وتطلعاتها ونقاط قوتها وضعفها، هذا نوع من الذكاء وأيضا خارج نطاق الذكاء الاصطناعى.
• الذكاء الذى يتبحر فى الأسئلة الوجودية الكبرى المتعلقة بالغرض من الحياة، والأخلاق، وفلسفة الموت إلخ، وهذا أيضا خارج نطاق الذكاء الاصطناعى.
هذه القائمة أعلاه توضع أين تقع نقاط القوة عند البشر وأين تبرع التكنولوجيا، وهى نقطة مهمة ليس فقط لنعرف أنفسنا لكن أيضا لإيجاد أفضل السبل لتعاون الآلة مع الإنسان من أجل رفاهية هذا الإنسان.
هذا يقودنا إلى نقطة مهمة وهى أن الذكاء ليس الوسيلة الوحيدة لحل المشكلات، هناك حلول تنبع من معرفة ثقافة الآخر ومعتقداته وإحساساته، فما يصلح لمجموعة من الناس لا يصلح لأخرى، وهذه مهارة مرتبطة ببعض أنواع الذكاء خارج نطاق التكنولوجيا كما رأينا. لنأخذ عدة أمثلة عن حل المشكلات التى تتطلب أكثر من التفكير المنطقى. تخيل طفلا يبكى فى الفصل، الذكاء الاصطناعى يمكنه التعرف على أن الطفل يبكى، ويمكنه مراجعة سجل الطفل ليتعرف على المرات التى بكى فيها فى الفصل والأسباب، ثم يقوم بإعطاء خطوات للتعامل مع الموقف. المدرس البشرى سيتعامل بطريقة أكثر إنسانية، فمن معرفته بالطفل وأقرانه يمكنه أن يرى أن الطفل يشعر بالخوف من العدد الكبير من الأطفال المحيطين به ويحتاج فقط إلى تشجيع. مثال آخر: محادثات سلام بين دولتين، الذكاء الاصطناعى يمكنه مقارنة القوة العسكرية للدولتين، والحالة الاقتصادية لكلتيهما، ثم إعطاء تصورات لمن سيفوز فى تلك المحادثات ومن سيعطى تنازلات أكثر، لكن البشر سيفكرون فى الموضوع بطريقة أكثر عمقا تعتمد على مدى الثقة بين الدولتين، والقدرة على العفو، وثقافة كل دولة فيما يتعلق ببنود المحادثات، وتاريخ كل دولة إلخ. الذكاء الاصطناعى قد يقول لعامل إطفاء لا تدخل إلى المبنى لأنه يحترق ونسبة الخطورة عالية، لكن العامل يعرف أن هناك طفلا داخل المبنى حياته مهددة والوقت عامل حاسم. عندما نرى ما تفعله التكنولوجيا نقدر جدا نعمة أننا بشر.
هذه الأمثلة وأنواع الذكاء تعطينا خيطا مهما للتفرقة بين المعلومات وبين الحكمة، الآلة لن تحوز الحكمة لكن البشر يمكنهم ذلك إذا ما بذلوا الجهد.
•••
التكنولوجيا ما هى إلا اختراعات بشرية لمساعدة البشر وليس لجعلهم تعساء أو توسيع الفارق بين الغنى والفقير، لذلك على الشركات الكبرى التى تهتم فقط بالمكاسب حتى وإن أظهرت خلاف ذلك أن تسأل نفسها ليس «هل من الممكن بناء ذلك؟» لكن «هل يجب بناء ذلك؟»، هذه أمنية لا أعتقد أنها ستتحقق فى عصرنا للأسف.
