احتفاء بشهر مولد النبي محمد بن عبدالله ﷺ، أصدر الأزهر الشريف كتاب "السيرة النبوية.. وتاريخ العرب في الجاهلية" الذي تناول فيه الدكتور محمود أبو العيون، أحد كبار علماء الأزهر الشريف، سيرة النبي محمد منذ مولده وبعثته والدعوة للإسلام سرا والجهر بها، مرورا بمواقف صبره والمسلمين على أذى قريش ومبايعته لأهل المدينة وهجرته وأشهر غزواته وحتى حجة الوداع ووفاته.
تحدث "أبو العيون" في كتابه الذي اطلعت "الشروق" على نسخة منه، عن أشهر غزوات النبي الكريم فقال لم يكن رسول الله ﷺ يقاتل أحدا على الدخول في الدين، بل كان يدعو إليه ويجاهد في سبيله بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة، متبعا في ذلك قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) من سورة النحل.
ولكن قريش أمة معادية، آذت الرسول وأخرجت أصحابه من ديارهم، واستباحت أموالهم ومنعت المستضعفين من اللحاق بإخوانهم، فلذلك أذن الله سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ بقتالهم وقتال كل معتد وصاد عن سبيل الله، فكان بعد ذلك يغزو أعداءه تارة بنفسه وتارة بإرسال البعوث والسرايا، ونحن هنا مثبتون أشهر غزواته، التي خرج فيها بنفسه لقتال المشركين من قريش وغيرهم.
أولها كانت غزوة بدر الكبرى في تسع من رمضان في السنة الثانية للهجرة، الموافق 5 مارس سنة 625 ميلاديا.
وبدأت الغزوة بأن أبا سفيان بن حرب ومعه أربعون رجلا قدم من الشام، وكان متاجرا بها ومعه عير لقريش، فلما علم بها الرسول ندب الناس إليها، فخرج ومعه أصحابه وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، منهم فارسان: الزبير والمقداد، وسبعون من الإبل يتعاقبون عليها، فاتصل خروجهم بأبي سفيان، فاستنفر أهل مكة لعيرهم فنفروا سراعا وكانت عدتهم نحو تسعمائة وخمسين مقاتلًا، فيهم مائة فارس.
فاستشار النبي ﷺ أصحابه، وقال (إن الله وعدني إحدى الطائفتين: العير أو النفير، والله لكأني أنظر مصارع القوم)، فكان رأي سادتهم أن يمضي إلى ما أمره الله، وقالوا: لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك .
سار ﷺ إلى بدر ونزل بعدوته الدنيا، وفي أثناء ذلك كان أبو سفیان تنكب بالعير إلى طريق الساحل ونجا بها، ثم جد في حمل الناس على مذهبه لولا أن أبا جهل جعل يستصرخ الناس ويهيج عواطفهم، ويقول: لا نرجع حتى نرد ماء بدر ونقيم به ثلاثا وتهابنا الأعداء.
في صبيحة يوم الثلاثاء 17 رمضان سنة 2 هجرياـ، الموافق 13 مارس سنة 624 ميلاديا، تراءى الجيشان، فقام الرسول ﷺ بتعديل الصفوف ثم رجع وجلس هو وأبو بكر على عريش بني لهما، وأتى أبو جهل بمن معه وابتدأت الحرب بالمبارزة، فبرز ثلاثة من صفوف المشركين، وهم: عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة، فأخرج النبي لهم عمه حمزة وعلي بن أبي طالب وعبيدة الحارث بن المطلب، فقتل حمزة شيبة، وعلي الوليد، وكرا على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة فقطعت رجله ثم مات.
ثم بدأ الهجوم بالصفوف وحمي الوطيس والتحم الجيشان، وخرج النبي ﷺ من العريش يشجع الناس ويقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" [القمر: 45]، ثم أخذ حفنة من الحصباء ورمى بها في وجوه القوم وقال ﷺ: (شاهت الوجوه، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، اللهم أنجز ما وعدت).
ثم قال لأصحابه: (شدوا عليهم)، فما هي إلا جولة حتى هزم المشركون، فتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقدرت قتلاهم بنحو سبعين رجلا منهم أبو جهل، وأسر نحو السّبعين العباس عم النبي، وابنا أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، واستشهد من المسلمين نحو أربعة عشر رجلا.
ولما انتهت الموقعة أمر بدفن القتلى من قريش ومن المسلمين، وكانت هذه عادته ﷺ في حروبه، ثم أمر بجمع الغنائم فجمعت، وعاد رسول الله ﷺ إلى المدينة ثم استشار أصحابه في قتل الأسرى وقبول الفدية منهم، فكان رأي عمر وسعد بن معاذ القتل، وكان رأي أبي بكر وأكثر الصحابة قبول الـفـديـة، فرضي ﷺ رأي أبي بكر.
فعاتب الله نبيه بقوله تعالى: (وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم.. لولا كتب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.. فكلوا مما غنمتم حللا طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم) [الأنفال: 67-69].
ثم أمره الله تعالى أن يتلطف بهؤلاء الأسرى، فقال: (يأيها التي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) [الأنفال: 70].
وبعدها افتدت قريش أسراها، فمن حضر فداؤه أرسل، ومنهم من من عليه بغير فداء، وكان فداء بعض الأسرى الفقراء الذين يكتبون أن يعلم كل منهم عشرة من صبيان المسلمين الكتابة، ولم يعف عمه العباس من الفداء، وافتدت زينب بنت رسول الله ﷺ زوجها أبا العاص بقلادتها، ثم ردت إليها بعد.
نزلت في هذه الغزوة من القرآن «سورة الأنفال» بأكملها بين الله في تلك السورة أحكامًا كثيرة وتكلم فيها عن قريش وما فعلته من الأذى لرسول الله ﷺ وصده عن سبيل الله، وعن أمر الأسرى، وغير ذلك من الأحكام.
يعجب الإنسان كثيرا من تفوق المسلمين على الكفار في هذه الغزوة، وما أبدوه من البسالة والإقدام في ذلك الموقف الرهيب مع قلة عَددهم وعُددهم، وأولئك عرب وهؤلاء عرب عنصرهم واحد، وقريش كانت تغار على دينها وتحتفظ به احتفاظا شديدا كما يغار المسلمون على دينهم ويحتفظون به، ولكنّ عجبه يزول عندما يعلم أن المسلمين كانوا يقاتلون بعزيمة صادقة وقلب ممتلئ بالطمأنينة لله تعالى والثقة بوعده على لسان رسوله بالفوز والنصر المبين، فهي آية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام، وفي ذلك يقول الله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) [آل عمران : 123].