بعد نحو 78 عاما ظلت خلالها كلمة "التجنيد" من المحرمات في الأوساط الحريدية، يشهد المشهد السياسي الإسرائيلي تحولا غير مسبوق. فلطالما استقر واقع مفاده أن الحريديم (اليهود المتشددون) يرفضون التجنيد، والحكومة تتجنب فرضه عليهم.
إلا أن عام 2026 يحمل تغييرا جذريا في هذه المعادلة. فللمرة الأولى منذ قيام الاحتلال، يعتزم ممثلو الأحزاب الحريدية في الكنيست، وبناءً على توجيهات مرجعياتهم الدينية، التصويت علنا لصالح قانون التجنيد، وفقا للقناة ١٤ الإسرائيلية.
هذه الموافقة الحريدية لم تأتِ من فراغ، بل تستند إلى قناعة متزايدة داخل القيادة الدينية بأن عالم التوراة الحقيقي لا يمكنه الاستمرار إذا استُخدمت قاعدة "توراته مهنته" كغطاء للتهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية.
وبعيدا عن السبب الأيديولوجي، برزت معادلة جديدة ترى في تمرير القانون مصلحة مباشرة للقطاع الحريدي نفسه. فمع إقرار القانون، وربط الالتزام بأهداف التجنيد بعقوبات مالية صارمة، سيدرك رؤساء المعاهد الدينية أن الفشل في تحقيق النسب المطلوبة سيؤدي إلى استنزاف الموارد وتهديد بقاء مؤسساتهم، ما سيدفعهم إلى تشجيع الشبان غير المنخرطين في الدراسة الدينية على الالتحاق بالجيش الإسرائيلي.
ويُجمع مراقبون على أن قانون التجنيد لعام 2026 لا يخلو من الثغرات، وربما لا يوجد قانون كامل في هذا الملف الشائك. لكنه، للمرة الأولى، يجمع بين ثلاثة عناصر أساسية: أهداف تجنيد واقعية، آليات عقابية صارمة، وموافقة حريدية تجعل التجنيد مصلحة داخلية للقطاع نفسه.
وبينما ينتقل القانون إلى مرحلة التطبيق، تتوزع مسئولية نجاحه على عدة أطراف: الحكومة مطالبة بتنفيذه فعليا، والجيش الإسرائيلي مطالب باستيعاب المجندين الجدد، وأعضاء لجنة الخارجية والأمن مطالبون بضمان استمرار هذا الواقع الجديد.
يُذكر أن المحكمة العليا الإسرائيلية قضت في صيف عام ٢٠٢٤ بإلزام الحريديم بالتجنيد الإجباري بعد أن كان يتم إعفائهم منه بسبب تعارضه مع بعض عادات وتعاليم طائفتهم.
ورفض الحريديم هذا القانون سابقا وخرجوا في مظاهرات عديدة ونددوا به.